أربعينية العروس

يونيو 7th, 2007 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي

5 يونيو 2007، ربما لا يعني هذا التاريخ شيئاً للكثيرين للوهلة الأولى، وخاصة للأجيال الشابة، التي اعتادت سماع صوت نانسي عجرم لا صوت فيروز، ولا للعامة المشغولين بسوق الأسهم، ولا حتى ربما لبعض العلماء الذين خرج أحدهم مؤخراً علينا بفتوى جواز الرضاعة لزميل العمل.
في هذا التاريخ الذي نعيشه هذه الأيام، ذكرى مرور أربعين سنة على ضياع المسجد الأقصى والقدس في عام 1967، عروس المدائن العربية، وقبلة المسلمين الأولى، ومسرى نبيهم، ومحط أفئدة النصارى بكنائسها التاريخية، وريحانة الشرق. مما يجعلها ليس فقط مكاناً استثنائياً تحققت به معجزة اتصال الأرض بالسماء، بل ونقطة التقاء قومية ودينية ومذهبية وعالمية، تجتمع حولها وفيها البشرية في زمن الحروب والعنصرية والكراهية..وصراع الحضارات.
وقبل شهر من الآن أي في مايو 2007، مرت أيضاً مرور الكرام الذكرى الستون لاحتلال فلسطين بصدور قرار التقسيم الجائر في عام 1947 من هيئة الأمم المتحدة، التي لم تنجح في شيء طوال تاريخها بقدر ما نجحت في شرعنة احتلال الأراضي العربية، أو تبرير العدوان عليها منذ نشوئها وحتى اليوم. وهذا القرار الذي رفضه العرب وقتها، إلا أنني أكاد أجزم بأنهم لم يتخيلوا آنذاك، ولا في أسوأ كوابيسهم، مأساوية الوضع الذي سنصل إليه اليوم، وكيف أنه سيأتي يوم لا يقبلون فيه بالتقسيم، بل بفتات الفتات.
مشكلتنا كعرب أننا عاطفيون، نبكي كثيراً، ونحاول أن ندخل المعارك الحربية دون عدة وعتاد، بل بصواريخ خشبية وجيوش هزيلة، وقيادات فاشلة، وأسلحة فاسدة. واليوم حتى في عصر المعارك الفكرية، ندخلها أيضاً بعاطفة دينية وقومية، لا تقنع أحداً سوانا، ودون عدة وعتاد من المعلومات والحقائق والوثائق والخرائط، وهذه الأخيرة لها أهمية كبرى في أن تجعلنا نحن قبل غيرنا ندرك حجم المأساة، وعدالة القضية، فتجعلنا ليس فقط نتشبث بها، بل ونحاول التفكير بطريقة صحيحة للتعامل معها.
الشهر الماضي، قامت مجلة " العربي" الكويتية مشكورة بإهدائنا هدية ثمينة للغاية، وهي عبارة عن خريطة لفلسطين بعنوان: "خريطة فلسطين بين الانتداب والانتهاك". وهذه الخريطة التي أعدها ونفذها الدكتور: "محمد محمود الصياد"، توضح لنا بالصورة تسلسل المأساة، وحد الظلم الذي وقع على الأطراف العربية الفلسطينية. ففي الخريطة الأولى (مشروع تقسيم عام 1937) يظهر الجزء الأصفر (المنطقة اليهودية) كمنطقة صغيرة في شمال فلسطين المحتلة، يضم مدن الناصرة، عكا، حيفا (مدن الشمال)، وكذلك يافا وتل أبيب، بينما بقية الخريطة تتشح باللون الأخضر (المنطقة العربية) وتضم مدن نابلس، الخليل، رفح، بير سبع، خان يونس، غزة وغيرها، في حين بقيت القدس وما حولها (المنطقة الحمراء) تحت الانتداب البريطاني. ثم ننتقل للخريطة الثانية والتي تتحدث عن قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، ونرى كيف أن اللونين الأصفر والأخضر، يتداخلان بشكل كبير من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وتغيرت الصورة تماماً أو كادت عن تلك السابقة، في خريطة حاولت أن تقسم بعدالة مزيفة دولة بين شعبين وأمتين، في حين ظلت القدس، منطقة تحت الحماية الدولية هذه المرة. أما الخريطة الثالثة والتي تحمل عنوان " نهاية المأساة" فتصور لنا خريطة فلسطين بعد هزيمة يونيو وحتى يومنا هذا، حيث لم يعد للعرب إلا بقعتان خضراوان بائستان في شرق فلسطين وغربها تحت اسمي الضفة الغربية وقطاع غزة، وهاتان البقعتان مفصولتان عن بعضهما تماماً، والقدس منزوعة منهما، وزادت حكومة الكيان الصهيوني الطين بلة ببناء سور الفصل العنصري الذي يقسم القدس ذاتها (وهي مدينة محتلة حتى في الأعراف الدولية) إلى قسمين ويضم بطريقة سياسة الأ

المزيد


عيدية الأضحى

يناير 7th, 2007 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي

كان يوم السبت العاشر من ذي الحجة لعام 1427هـ، الموافق للثلاثين من ديسمبر 2006، يوماً مختلفاً عما سواه. استيقظتُ في صبيحة يوم عيد شديد البرودة، وحيث الغربة وشيء من الكآبة يلفان المكان، حتى ليصعب عليّ الإحساس بأي معنى لعيدنا الكبير للأسف. إلا أن أي شعور _ولو ضئيلاً_ بأن هناك عيداً يلوح في الأفق، تم القضاء عليه نهائياً حين فتحت التلفاز لأفاجأ بخبر إعدام آخر رئيس للعراق.. صدام حسين.
لم أكن يوماً من أنصار الديكتاتورية والأحكام الشمولية، والرئيس العراقي بالذات ليس ذلك الرئيس الذي كان يفترض أن أشعر شخصياً بالحزن لموته لو أنه تم بشكل آخر. فلم الحزن إذن؟ ولماذا أجد نفسي أجلس لكتابة مقال كهذا في صبيحة يوم العيد؟
لم أكن _وبقية أبناء جيلي_ سوى أطفالٍ حين سمعنا باسم صدام حسين لأول مرة، كنتُ طالبة تستعد لولوج سنتها الدراسية الأخيرة في المرحلة الابتدائية في صيف عام 90، حين غزت القوات العراقية الكويت. وأذكر أن هذه الأحداث المتلاحقة آنذاك قد أثرت عليّ بشكل كبير، وجعلتني شغوفة بالسياسة وبمتابعة نشرات الأخبار، في محاولة على ما يبدو لفهم ما يجري. لم تستطع ابنة العاشرة يومها أن تفهم كيف أصبح اسم العدو فجأة (حسين أو كاظم أو طارق) بدلاً من (شيمون وعازار وأرييل)، لم تفهم مصطلحات مثل "دول الضد"، وأن هذه الدول ليست "فرنسا.. بريطانيا.. أو إسرائيل" وإنما "السودان.. اليمن.. والأردن". كل شيء كان يجري بسرعة رهيبة، ولهذا فإن عملية الفهم لبعض الأمور أتت في وقت لاحق، وظلت أمورٌ أخرى مستعصية على التفسير.
كانت تلك جريمة الرئيس العراقي بحق جيلنا، إذ سرق منا كل الأحلام الوحدوية الممكنة، كيف لا وعاصمة عربية كبغداد كان يتم إسقاطها حتى من نشرة الأحوال الجوية خلال العشر السنوات التالية للتحرير؟.
بل إن ما ترتب على الغزو من استعانة دول الخليج بالقوات الأجنبية، سيترك آثاره علينا إلى اليوم، بعد أكثر من 16 سنة. فمن الميزانيات التي أُرهقت، حتى وصلنا إلى أيام دعوات (شد الأحزمة) ونحن في بداية المرحلة الجامعية، وصولاً إلى خروج الحركات المتطرفة، التي أتعبت بلداننا والعالم، وجعلتنا متهمين حتى يثبت العكس، وحرمتنا الكثير.
لكل هذه الأسباب، كان ينبغي لي_ كما كنت أردد مع بداية المحاكمة التي لم أكلف نفسي عناء متابعتها_ أن أفرح، أو لا أستاء (في أحسن الأحوال) من عملية الإعدام، فلماذا حصل العكس؟.
حصل العكس، لأن ثمن الاقتصاص من أمثال الرئيس العراقي كان باهظاً جداً بداية، خسرناً بلداً، وقُتل نصف مليون إنسان عراقي، وانتهكت أعراض الآلاف، وسُرقت كنوز العراق النفطية والتاريخية، ولم يبق شيء في الواحة التي تحولت إلى بلد خرب على كل الأصعدة.
بل _وهو الأسوأ_ كان الثمن وحدة الأمة الإسلامية قبل العربية، فاليوم صار حتى من لا يعرف أبسط مبادئ الإسلام يتحدث عن وجود نوعين من المسلمين: سني وشيعي. يؤلمني كثيراً أن يسألني شخص عن مذهبي، فأنا لم أتعود أن أقول سوى أنني مسلمة. وأفضل أن أشرح لغير المسلمين معنى توحيد الله، وأن أخبرهم عن رسولنا الأكرم، صلى الله عليه وسلم، بدلاً من أن أحدثهم عن موقعة صفين أو الجمل.
حين أتذكر أدباء العراق، وبخاصة شعراءه الكبار، أشعر بألم شديد إذ أفشل في أن أحدد مذاهبهم الدينية، لأن ذلك يذكرني بزمن عراقي جميل، كان موجوداً حتى البارحة يوم أن كان العراقيُ عراقياً.. بلا تمييز. نازك الملائكة، بدر شاكر السياب، معروف الرصافي، هل يعرف أحدكم إن كانوا سنة أم شيعة؟ أنا صدقاً لا أعرف، ولا أريد أن أعرف.
وكم هو مزعج أن تجد نفسك مضطراً لأن تسمع سخافات مراسلي القنوات العالمية، وهم يرددون كذبات جاءت مع الاحتلال، فقد نجحت هذه الوسائل الإعلامية في صناعة واقعٍ جديد يصدقه الناس.

المزيد


غربة

يوليو 26th, 2006 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي

غربة..كلمة أرددها بيني وبين نفسي، حين أجد نفسي وحيدة في يوم عطلة، أو خلال ليالي الشتاء الطويلة الباردة حينما يزمجر الرعد في الخارج، ويلف السكون كل شيء في الداخل. وغربة حين أجد أحياناً بعض النظرات المتفحصة تجيل النظر في هيئتي، أو حين لا أجد شيئاً يصح لي أكله كمسلمة. وغربة حينما أرفع بصري للسماء فلا أجد سوى الغيوم، سوى اللون الرمادي الكئيب، أجيل البصر باحثة عن الشمس لكن عبثاً.. فالبصر يعود حسيراً.
وغربة أشد حين يحصل شيء كبير في بلادنا العربية والإسلامية، وتجد نفسك هنا وحيداً وسط أناس لا يفهمونك، أو لا يحسون معك حجم الوجع، حدث ذلك سابقاً أيام غزو العراق، وحين سقطت بغداد.
وقبل عدة أيام تكرر الشيء ذاته، حين وجدتُ نفسي بلا ترتيب مسبق في مواجهة تحليلات زميل كندي وصديقة إسبانية. ومع أنهما أبعد ما يكونان عن التطرف أو العدائية للمسلمين والعرب، بل الزميل الكندي من عشاق المأكولات اللبنانية، ولديه عدة أصدقاء لبنانيين في كندا، إلا أن الكلام الذي سمعته كان صعباً جداً عليّ. كان صعباً أن أستمع إليه وهو يساوي الضحية بالجلاد، وكان صعباً أن أسمع بأن الدعاية الصهيونية وتبريراتها الواهية لأحقيتهم بأرض الميعاد، ولأكذوبة بيع الفلسطينيين لأراضيهم، قد وجدت طريقها إلى قلوب البعض. كان مثيراً للحنق أن أستمع إلى أن أجد بأنه من حق الصهاينة العودة ألفي سنة للوراء، وليس من حقنا الرجوع خمسين سنة فقط. ويثير جنوني أن يبرر هؤلاء مساعدة أمريكا للكيان الصهيوني بالخوف من سلاحها النووي! فبدلاً من تجريدها منه، يتم منع الآخرين من استفزازها حتى لا تستخدمه. أو من أنه من حقها مساعدتها ما دام العرب يساعدون الفلسطينيين، وإيران تدعم حزب الله وحماس. وطبعاً كان يزعجني كثيراً أن يعتب عليّ هؤلاء تعاطفي مع ضحايا القصف الصهيوني في الأراضي العربية، ولا أشعر بالألم نفسه لضحايا الإرهاب الإسلامي في داخل الكيان الصهيوني. وكيف أنه لا يليق بفتاة عربية أوروبية، متعلمة ومثقفة أن تنحاز لسوى السلام الذي تقرره الشرعية الدولية ممثلة في الأمم المتحدة. وينسى الجميع أن هذه الشرعية هي التي أسست الدولة العبرية وأعطتها حق الحياة، وكان الأجدر بدولنا يومها لو انسحبت منها مرة واحدة وللأبد، لأن 90% من مشاكلنا بدأت يومها. من الاحت

المزيد


لو كنتُ عربياً..لكنتُ إرهابياً (كامل)

يوليو 19th, 2006 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي

قبل أكثر من شهر كنت فيما يعرف بمدرسة صيفية لطلبة الدكتوراة الأوربيين أو الدارسين بجامعات أوربا،  وذلك في جمهورية سلوفينا. وسلوفينيا (عاصمتها ليوبليانا) إحدى الدول التي استقلت عن الاتحاد اليوغسلافي السابق. من بين أساتذتنا يومها دكتور سويدي جاوز على ما يبدو الخامسة والستين، وبما أن أعمار الطلبة كانت تتراوح ما بين الثانية والعشرين والثلاثين، فقد شعرنا بأنه كان بمثابة الأب الروحي للجميع هناك. شعرتُ منذ اليوم الأول أنه كان يراقبني ويود التحدث معي، وفعلاً في اليوم الثاني وخلال فترة الاستراحة تحدثنا، بدأ كلامه بقوله بأنه سعيد بأن يرى من بين الطلبة طالبة مسلمة ترتدي بلا خجل أو خوف زيها الإسلامي، ولا تحاول أن تخفي هويتها في زمن الأمركة والعولمة. وأخبرني بأنه من الأشياء التي يحترمها في العرب هو مواصلة ارتدائهم لزيهم العربي الأبيض الجميل المميز. إنه مثال حيٌ برأيه لقدرة الثقافات اليوم على مقاومة هجمات العولمة والامبرالية ولو بشكل رمزي ( خجلتُ أن أحدثه بأن ما يلبسه شبابنا اليوم هو سراويل الخصر النازله أو ما يطلق عليه اللو ويست).

    كان لديه سخط كبير على ما يجري في العالم على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وكان يعتقد بأن الهيمنة للأقوى بات هو الوصف الذي يطبع عالمنا اليوم. وإن كان يغيظه هيمنة الثقافة الغربية (غير الأوربية) على أوربا رغم التشابه بينهما، فإنه بالقطع يغضب أكثر حين يرى ذراع العولمة (بوجهها التجاري الاستغلالي القبيح) يضرب المناطق الثقافية الأخرى في العالم.

    كنا مجموعة من الطالبات، نحاول إنجاز أحد المشاريع على طاولة البحث في المادة التي كان هو مدرسها، وأتى ليساعدنا في إنجاز المشروع، كنا واقفين لبضع ساعات، فشعرتُ بالتعب، وأردتُ أن أجلس. سألته: "هل أحضر لك كرسياً لتجلس؟" فرد معلمنا العجوز بالإيجاب. وبعد أن جلس، أحضرتُ كرسياً وجلست، فنظر إليّ متسائلاً في ذهنه كما بدى لي: (إذا كنتِ تريدين ان تجلسي فلم لم تفعلي ذلك منذ البداية؟) فأجبته قبل أن يسال: "لا أجلس وأستاذي واقف..هكذا ربانا أهلنا"، فأطرق برهة ثم ابتسم قائلاً: هذه السلوكيات الجميلة (توقير المعلم..واحترام الكبير) غير موجودة في ثقافتنا الغربية للأسف. وسيتكرر المشهد مع زميل فلسطيني لم يشهد هذه الحادثة، لكنه سيخبرنا في ما بعد كي

المزيد


الإسلاميون والليبراليون في السعودية..علاقة طردية!

أبريل 5th, 2006 كتبها مرام نشر في , اجتماعي, سياسي-إسلامي, مقالات عامة

المتابع للشأن العام السعودي، وللقضايا الجدلية الخلافية نفسها (قيادة المرأة للسيارة، عمل المرأة، السماح بالسينما والمسرح، المناهج الدراسية، المهرجانات الثقافية والفكرية ومعارض الكتب… إلخ) سيجد أنه ثمة طرفان رئيسيان يقفان في وجه بعضهما: الإسلاميون والطرف الآخر الليبراليون. وعلى الرغم من أن غالبية الشعب السعودي تقريباً تقف موقفاً وسطاً بين هذين الفريقين، وتكاد تقترب أو تبتعد عن هذا الفريق أو ذاك لسبب أو لآخر، إلا أن عدداً قليلاً جداً من الكتابات في الصحف السعودية، أو في المنتديات والمواقع الإلكترونية، يعكس رأي هذه الأغلبية الصامتة. فالخصمان الرئيسيان على الساحة هما أقوى نفوذاً وأعلى صوتاً من صوت الأغلبية، وإن بدرجات متفاوتة.
ويبدو أن المرأة بشكل خاص أضحت ورقة "كوتشينة" من فئة (الجوكر) يلعب بها الفريقان، ويتحدى كل منهما الآخر مدعياً ببراءة أنه وحده الحريص على مصالحها.
وبقدر ما يشعر الناظر لكلا الفريقين بالفروق الكبيرة بينهما، ومدى الاختلاف الشديد في كل شيء حتى في الملابس والهيئة العامة، إلا أنهما يشبهان بعضهما إلى حد كبير في الوقت ذاته. فكلاهما يبالغ في التطرف لليمين أو اليسار، كلاهما يقدم الهوى الشخصي على العقل والدليل والمنطق والحجة، كلاهما متمسك برأيه وبنظرته للأمور وغير مستعد مسبقاً أن يتنازل عنه أو يتحرك قيد أنملة، وكلاهما يسعى للاصطياد في الماء العكر، واستغلال الفرص وتحريض القيادة والدولة على الآخر.
وطبعاً في أجواء كهذه، تصبح المصلحة العليا للبلد، ومصالح المواطنات والمواطنين، وإيجاد حلول وسطية للمشكلات، أموراً ثانوية، ولهذا فنحن لا نزال في المربع رقم واحد، ولم نحسم آراءنا في الكثير من القضايا، وبالتالي بقينا جميعاً - وهم معنا - متأخرين، ومتذمرين.. ومحبطين.
الغريب أن ما قد لا يدركه كلٌ من الطرفين هو أن وجوده يكاد يكون نتيجة حتمية لوجود الطرف الآخر! ويظهر هذا جلياً في المناطق التي تتطرف في أحد الاتجاهين. فمثلاً الكُتاب والكاتبات الأكثر جدلاً لدى الإسلاميين، خرجوا من المناطق ذاتها التي توصم بالتشدد والانغلاق والتعصب للرأي الواحد لدى الليبراليين، وبالتدين والمحافظة لدى الإسلاميين. وبالتالي فبدلاً من صب اللعنات على الخصم واتهام جهات خارجية بأنها السبب في نشوء الفئة الأخرى، كان عليهم أن يسألوا أنفسهم عن مدى تسببهم في نشوء التطرف الديني أو الليبرالي.
سأتحدث اليوم مباشرة مع الإسلاميين ، باعتبار أنني أفهم مرجعيتهم، وأفهم الأهداف السامية التي يُفترض أنهم يسعون لها، وأسألهم بشكل مباشر عما إذا كانوا يعتقدون بأنهم سبب مباشر في التمدد الليبرالي الذي يشتكون ويحذرون منه؟
قبل عدة سنوات، كنت في السيارة مع والدي، ودار بيننا يومها حديث حول المستقبل وحول الجيل الجديد وبماذا يحلم وكيف سيكون تأثيره على البلد. يومها قلتُ له :" إذا لم يتدارك العلماء والمصلحون في هذا البلد الوضع.. ويبدؤوا بالنزول إلى مستوى الناس..وأن يكونوا أكثر واقعية وتكيفاً مع متطلبات العصر..فإن الشباب سيهجرونهم ولن يبالي كثيرٌ من الناس بعدها بأن يستفتوا هذا الشيخ أو ذاك بل سيأخذون بآرائهم الشخصية أو بفتاوى خارجية". لم يعلق أبي يومها…لكنه قبل أقل من عام تقريباً عاد وذكرني بالحوار، وقال لي: " لقد كنتِ محقة". تُرى كيف استطاعت فتاة في الثامنة عشرة أن تتوصل إلى هذه النتيجة ؟ لم تكن قطعاً تنجم أو تقرأ الكف، كانت فقط تراقب محيطها ووسطها وزميلاتها..كانت تتابع الامتعاض والتذمر الذي تبديه بعض الطالبات في حصص الدين من الرأي الواحد الذي يخالف ما تعارفت عليه العامة وعملت به أساساً من تحريم الصورة الفوتغرافية.. تحريم ما يسمى بالملابس الأجنبية.. تحريم البنطال.. تحريم قصات الشعر.. تحريم الدش.. إلخ. طبعاً بعد ذلك سنسمع بتحريم مسلسل(طاش ما طاش)، وبتحريم البوكيمون.. وبسلسلة أخرى طويلة من المحرمات المستحدثة. وبالتالي رأيتُ كيف أن الناس ب

المزيد


أما آن للقيد أن ينكسر؟

مارس 16th, 2006 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي

 في كل عام تصدر الحكومة الأمريكية ممثلةً بوزارة خارجيتها العديد من التقارير حول الأوضاع في العالم، فمن التقارير التي تتحدث عن حقوق الإنسان والحريات المدنية، إلى تلك التي تتحدث عن الحريات الدينية، وأخرى عن أوضاع المرأة والمثليين والعمال والأجانب، وغيرها من التقارير. وفي معظم هذه التقارير انتقادات شديدة لمختلف دول العالم (المناوئة أو تلك المختلفة عن العالم الغربي بالطبع)، وغالباً ما نالت دولٌ مثل إيران والصين والسعودية وسوريا والعراق وليبيا ومصر وكوريا الشمالية نصيب الأسد من هذه الانتقادات. وكم من مرة هددت الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ مواقف صارمة تجاه هذه الدول ما لم تغير من سياساتها إذ (تعهدت الولايات المتحدة بأن يكون مدى احترام حقوق الإنسان مقياسا لعلاقاتها الثنائية بدول العالم (..) و جاء على لسان كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية "سنوضح أن النجاح في علاقاتنا يعتمد على معاملة (الدول الأخرى) لشعوبها." (موقع بي بي سي العربية).
والولايات المتحدة تتجاهل في تقاريرها عن عمد خصوصيات كل مجتمع، وكيف أن بعض الممارسات التي تعتبرها الثقافة الغربية انتهاكاً لحقوق الإنسان هي مثلاً في الدول الإسلامية تطبيقٌ لشرع الله تعالى. فالحدود الشرعية، والموقف من المثليين الجنسيين، وتجريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزوجية، كلها أمور يتوافق فيها عموم أفراد المجتمع المسلم مع الحاكم.
ومع ذلك شاهدنا سفارات الولايات المتحدة وخارجيتها وبقية الجوقة يوبخون هذه الدولة أو تلك لأنها داهمت حفلاً للشواذ، أو اعتقلت عبدة الشياطين، أو حتى أوقفت على ذمة التحقيق رجلاً يشتبه في أنه يقوم بنشاطات ضارة تجاه بلاده وبتمويلات مشبوهة. فهنا تتحول أمريكا إلى نصيرة "الغلابا!"
لكن حين تدور الدوائر، وتقوم منظمات شبه مستقلة بكتابة تقارير شبه مستقلة أيضاً عن أوضاع حقوق الإنسان والحريات في دول العالم، ويرد ذكر أمريكا وما يحصل في سجونها المحلية، أو في سجونها العابرة للقارات وما وراء المحيطات، تغضب هذه الأخيرة غضباً شديداً وتشكك في التقارير، وتتهمها بالتحامل والتمييز. ولا تكلف نفسها حتى عناء محاولة التثبت من صحة هذه التقارير، خاصة إذا ما كانت تتعلق بأشهر إبداعاتها في القرن الحادي والعشرين: معتقل جوانتانامو! وجوانتانامو هذه أصلاً جزيرة مسروقة من دولة كوبا الصغيرة، حالها كحال كل أراضي هذه الدولة التي سُرقت من أهلها الأصليين بعد أن قتلهم الرجل الأبيض بأسلحته المتطورة، فتحولوا وتحول تاريخهم إلى أثر بعد عين (ما علينا).
مساء يوم الخميس 9 مارس 2006، عرضت القناة الرابعة البريطانية (آي تي في) برنامجاً وثائقياً بعنوان (الطريق إلى جوانتانامو)، تحدث عن تجربة ثلاثة شباب بريطانيين من أصل آسيوي في معتقل جوانتانامو، وذلك عن طريق إعادة تمثيل ما حصل بطريقة أقرب ما تكون إلى الواقع، وتتخلله شهادات للشبان الثلاثة الذين أطلق سراحهم بعد أن قضوا ما يقارب الثلاث سنوات في ذلك المكان المرعب. ولعله من الجدير بالذكر أن هؤلاء الثلاثة كانوا من أصحاب السوابق (وهم أحداث) في بريطانيا، وقد اعترفوا بأنهم لم يكونوا يصلون أو يمارسون الإسلام قبل أن يُقبض عليهم، وحظهم السيئ هو الذي قادهم إلى أن يكونوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، وإلا فوجهة أحدهم الأساسية كانت باكستان للزواج. والمضحك المبكي أنه في حين اتهم أحدهم بأنه حضر تجمعاً لابن لادن في وقت ما من العام، فإنه كان يقضي عقوبة في سجن بريطاني، والسجلات البريطانية تشهد بذلك. فكيف يكون هؤلاء متطرفين إسلاميين وهم معتقلون في قضايا إجرا

المزيد


كيف وأين ومتى ولماذا..فقدناه؟!

فبراير 23rd, 2006 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي, مقالات عامة

من الأمور التي تُحسب للدول التي تتمتع بحرية تعبير حقيقية للجميع، أن أصحاب الديانات والدعاة يستطيعون (غالباً) أن يمارسوا مهامهم التي نذروا أنفسهم لها بحرية، ما دامت وسيلتهم هي الحجة والمنطق والإقناع، وما داموا لا يقومون بأي عمل مخالف للقانون. ولذلك فمن الطبيعي أن يكون في كل الجامعات البريطانية تقريباً العديد من الجمعيات الطلابية الدينية المختلفة مثل المسيحية (بمذاهبها المختلفة)، الإسلامية، اليهودية، البوذية، الهندوسية، السيخية وغيرها. ولعل أنشط الجمعيات والتي تتنافس على الدوام (وتتعاون أحيانا) لاجتذاب أكبر عدد من الطالبات والطلبة لأنشطتها (ودينها)، هما الجمعيتان الإسلامية والمسيحية، والأسباب معروفة بالطبع.
في الأسبوع ما قبل الماضي، نظمت الجمعية الإسلامية في جامعتي أسبوعاً للتوعية الإسلامية، وقد بدأ التحضير له مبكراً، قبل الحدث بثلاثة أشهر، وأُُنشئت لجان مختلفة تتولى كل منها مسؤولية معينة مثل اختيار المتحدثين، الإعلام، المطبوعات الدعوية..إلخ، وكان من الواضح حماسة الجميع ورغبتهم في أن إنجاح الحدث ونجاحه يقاس عادة بعدد الذين يحضرونه من غير المسلمين، وبسير الأمور كما هو مرتب لها دون خلل أو مشكلات.
ومع أن التوقعات كانت عالية، والآمال كانت كبيرة، إلا أن الكثير من خيبات الأمل كانت بالانتظار في هذا الأسبوع، وكلها أخطاء بشرية كان بالإمكان تفاديها بقليل من الاهتمام والتنظيم. فمثلاً تأخرت طباعة المنشورات الدعائية حتى صباح اليوم الثاني من البرنامج، وهي التي كان ينبغي أن تكون جاهزة قبل ذلك بأسبوع أو بضعة أيام على الأقل. ولم تبدأ أي محاضرة في وقتها، لأن المتحدث تأخر، أو ضاع بسبب سوء الوصف، وعدم وجود من يستقبله، أو لأن الإخوة والأخوات الموجودين في القاعة لا يعرفون كيف يشغلون نظام المايكرفون ومكبرات الصوت ومن يعرف لم يأت. وتأخر الطعام (المصاحب للمحاضرة) بعض الوقت في بعض الأيام، ولم يعمل جهاز الفيديو الذي كان يفترض أن يقدم النقد الإسلامي لنظرية النشوء والتطور بعد أن امتلأت القاعة بعشرات الطلبة غير المسلمين ممن يقتنعون بأفكار دارون! وهكذا شعرنا ببعض الخيبة لأننا كنا نتوقع (نظراً للاستعداد المبكر) بأن الأمور ستكون فوق العادة، فإذا الحضور قليل، والحضور غير الإسلامي شبه معدوم في معظم المحاضرات.
ثم حل أسبوع التوعية المسيحية، بعد أسبوعنا مباشرة، وهنا كانت لدينا فرصة لنقارن عمل هذه المجموعه بعملنا، وحقيقة فوجئت! كان من الواضح الاحترافية والالتزام في كل ما قاموا به.
نعم لا يجب أن ننسى أن هذه جمعية مسيحية في بلد مسيحي، ولا يوجد مقارنة بين عدد المنتمين لهذه الديانة أو تلك لا خارج الجامعة ولا داخلها. وصحيح أن هذه الجمعيات مدعومة من جهات عدة، فالمال لا يشكل عقبة لهم، وبالتالي فكل شيء ابتداء من القمصان التي ارتدوها خلال الأسبوع، مرورا بصفحتهم على الإنترنت، وصولا إلى مطبوعاتهم، قد تمت بأيدي اختصاصين كل في مجاله، فجاءت أقرب إلى دعايات كبريات الشركات التجارية. بينما فعلنا نحن المستحيل لنقتصد في المصاريف، فطبعنا الشعار على قمصان رخيصة في المنزل، وطبعنا معظم المنشورات المتعلقة بالجدول الأسبوعي على ورق أبيض وأسود، وأقامت بعض الأخوات يوماً لبيع الكعك المنزلي خصصن ريعه لتغطية نفقات الأسبوع الكثيرة.
وأيضا لا ننسى أن أعضاء الجمعية المسيحية يعملون دون خوف، بينما تعج صدور أعضاء الجمعية الإسلامية بالعديد من المخاوف. منها مخاوف محلية بأن يتم وصمهم وتأطيرهم بأنهم (إسلاميون) فيتجنبهم زملاؤهم أو تراقبهم الجامعة أو الحكومة البريطانية. فقد نجح الإعلام الغربي في جعل المسلمين يحسون بأنهم أقلية مشبوه

المزيد


لله.. للدين.. وللوطن

فبراير 15th, 2006 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي

بدأت محاضرتها التي كان يُفترض أن تكون عن حقوق الأمهات، ثم إذا هي بقدرة قادر تصبح متحدثة عن حقوق المرأة وقيم العائلة، قبل أن تتحول كلياً عن مسارها، قائلة :" لا أعلم لماذا ينبغي أن تكون محاضرتي عن حقوق المرأة في الإسلام وواجباتها ودورها..أنا لا أحب هذا الموضوع ولا أرى أن هناك داعياً ملحاً لطرحه. فلم يكن الحمقى الذين خرجوا في مظاهرة الجمعة الشهيرة بلندن فأساءوا لبلادهم ولدينهم.. نساء، ولا كانت امرأة هي التي حكم عليها بالسجن 7 سنوات لحضها على الكراهية في هذا البلد (تقصد أبو حمزة المصري)، ولا كانت المرأة المسلمة سبباً في كل هذه المشكلات التي يعانيها العالم الإسلامي بسبب المتطرفين. فلماذا إذن التركيز عليها؟ أعتقد أن المشكلة هي في الرجل المسلم". بعدها بدأ هجوم عنيف شنته هذه الأخت البريطانية التي اعتنقت الإسلام قبل 25 سنة، وزارت العديد من الدول الإسلامية، ومنها بلادنا، وخرجت منها بصورة غاية في القتامة والسلبية عن المسلمين ناهيك عن الصورة السلبية الأساسية المتكونة لديها تجاه الجاليات المسلمة في بريطانيا وبخاصة الآسيوية، والتي ترى أنها تسيء للمرأة أيما إساءة، ولا تطبق شيئاً مما منحه الله للمرأة المسلمة في شريعته السمحة.
تساءلت الأخت الداعية بغضب واضح: "كيف بدأت قضية الدفاع عن حقوق المرأة في الإسلام تأخذ هذا الحيز المهم؟ حسناً إنه لمن الواضح لأي منصف أن المرأة المسلمة تعيش أوضاعاً مزرية في الشرق وحتى في الغرب، وهي أوضاع شاذة بالنسبة للمجتمعات الغربية التي أخذت تطرح تساؤلات، وتسجل استنكارات على غياب العدالة النسبية لهذه الشريحة. وهنا بدل أن يحاول المسلمون إصلاح وضع المرأة ومنحها حقوقها انكبوا على تأليف الكتب وإلقاء المحاضرات والندوات والتي تتحدث عن ( حقوق المرأة في الإسلام)، (مكانة المرأة في الإسلام).. وغيرها مما ليست سوى حبر على ورق لا أثر له في التطبيق". ثم تحدثت عن قضايا الزواج والطلاق والنفقة والعمل وغيرها من الأمور التي ترى أن المرأة المسلمة تغبن فيها، قبل أن تتحدث عن نظرة المسلمين عموماً للمرأة ومعاملتها بدونية حتى في المساجد." حين كنت أشاهد المساجد عبر التلفاز.. كنت أشعر بالفخر والعجب..لتلك المساحات الفسيحة والنجفات الكبيرة.. والإضاءة الجميلة.. والزخرفة والنقش والنظافة.. وكم تمنيت لو أزور هذه التحف المعمارية بنفسي، وليتني لم أفعل. فقد اكتشفت في زيارتي لدول عديدة، ومنها بعض المساجد في بريطانيا، أن هذه الأماكن الجميلة مخصصة للرجال فقط! أما أمثالي من النساء فالأماكن المخصصة لهن شيء أقل ما يوصف به أنه مقرف ورديء. فليس لنا سوى بعض الزوايا التي أنشئت على عجل، وحيل بيننا وبين قسم الرجال بألواح أو ستائر أو جدران كما اتفق. فمن الواضح أنهم لم يخططوا أساسا لتخصيص مكان للنساء في الخرائط الأولية فأضافوها فيما بعد على عجل، فجاءت دون المستوى في النظافة والاهتمام والتصميم. لا أعرف لماذا يظن هؤلاء أننا لا نستحق أيضاً نجفة ضخمة أو سجادة نظيفة؟! وفي المدينة المنورة وجدت نفسي مفصولة بجدران هائلة عن المسجد الأصلي وعن قبر النبي، هل هناك خوف على المصلين الرجال منا؟ ولكن الأمر ليس كذلك في مكة، حيث لا توجد حواجز في الصحن الشريف، وباستثناء دول إسلامية مثل ماليزيا وسنغافورة التي تحتل فيها المرأة أصلاً مكانة اجتماعية متميزة، فإن الحال كان واحدا في معظم الدول الإسلامية".
وواصلت الأخت هجومها قائلة: "أنا امرأة غربية مسلمة، وأقوم بتنظيم حملات حج وعمرة لأمثالي من المسلمين الغربيين الجدد، ومعظمهم نساء، ويا للعوائق التي أواجهها. فالسفارة السعودية تصر على ألاَّ تسافر امرأة للحج إلا بمحرم، ولكن من أين لهؤلاء النسوة الح

المزيد


حوار مع "إنجليزي"..حول قضيتنا مع الدانمارك

فبراير 8th, 2006 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي

كنت لا أزال أعيش حالة من الدهشة حتى الأيام القليلة الماضية بسبب غياب قضية الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، والتي تحولت إلى أزمة سياسية واقتصادية دولية، عن التغطية الإعلامية في بلد هو (أبو الإعلام) وعاصمته (أم المظاهرات) مثل بريطانيا. جاءتني اتصالات واستفسارات من الوطن الغالي تسألني عن الأخبار، فقلت تجاهل غريب! حتى اتحاد الطلبة المسلمين في بريطانيا، لم يحرك ساكناً بينما أثار قبلها بأسابيع وبشدة قضية منع (النقاب) في جامعة " إمبريال كوليج" في لندن. مما جعلني أشعر بنوع من الغيظ، لأنه لا يعقل أن يكون النقاب (مع احترامي له) وهو أمر مختلف فيه بين العلماء أساساً أهم من كرامة رسولنا الحبيب عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم. ثم فهمت بأنهم ربما لا يريدون أن يعطوا الموضوع أكبر من حجمه خصوصاً وأن القضية لم تثر في هذا البلد، فلم يريدوا إعادة فيلم سلمان رشدي الممل.
فجأة تضخمت القضية بإعادة صحف دول أوروبية عديدة نشر تلك الرسوم الحقيرة، وهنا اضطر الإعلام البريطاني، للحديث عن القضية، فأفردت كبريات الصحف الإنجليزية افتتحياتها للحديث عن مبدأي الحرية الإعلامية واحترام الثقافات والأديان. وفجأة صرنا كمسلمين ومسلمات في موضع السؤال عن رأينا فيما يجري من قبل الناس هنا.
شخصياً واجهت هذا السؤال من أحد زملائي في المكتب الذي علق قائلاً: " صحيح ..لقد تابعت على الأخبار قضية المسلمين مع الدانمارك ما رأيكِ فيما جرى؟". أخبرته بأنني غاضبة وبأنني كتبت مقالاً في صحيفة سعودية مشجعة على المقاطعة، وسألته عن رأيه الشخصي. قال لي بأنه يعتقد أنه حماقة أن يتم هذا التصعيد العالمي، وهذا التوتر السياسي على قضية رسوم، التي بعضها سخيف والآخر مضحك. ثم قال بأنه لا يجد حرجاً في أن يشتم أحد المسيح أو يرسمه ويستهزئ به. بل ذكرني بأن" دان براون"، مؤلف رواية شيفرة دافنشي الشهيرة، وواحد من الُكّتاب الأكثر مبيعاً في العالم الغربي، بالغ بشدة في الإساءة للمسيح عليه السلام، وللديانة المسيحية بشكل غير مسبوق، ومع ذلك لم يغضب منه الناس إلى درجة أن يتظاهروا ضده أو يحرقوا صوره!
عقبت قائلةً بأنه هنا يأتي تفهم اختلاف الثقافات والحضارات والشعوب. فبالنسبة للمسلمين، الإساءة لأي نبي (ناهيك عن نبي الرسالة)، جرم لا يغتفر، لا نقبله من أنفسنا ولا من غيرنا. وبما أننا تعلمنا واتفقنا معكم بأن حريتي تنتهي عندما تؤذي الآخرين، فإننا نقولها لكم بصوت واضح، حريتكم هذه غير مقبولة، فهناك دائما خطوط حمر. وذكرته بأنه في ذات الدول التي نشرت الرسوم أو أعادت نشرها، لا يمكنها أن تتقبل شتم اليهود أو التشكيك في المحرقة النازية. بل وحتى في بريطانيا، فإنه لا يمكنني أن أصرح علناً في الجامعة أو في وسيلة إعلامية، بأي تصريح معاد أو مهين للمثليين جنسياً، حتى لو كان هذا ضد عقيدتي. وهنا نأتي لمشكلتنا مع النفاق الغربي، ومعاييره المزدوجة، في قضايا الإعلام والحرية والديمقراطية. وحدثته عن منع بعض كتب الشيخ القرضاوي الإسلامية في فرنسا، بينما تفسح كتب سلمان رشدي.
وقبل أن أكمل كان زميلي قد علق مقاطعاً:" في كل ما ذكرته لا أجد أن الدنمارك منافقة أو مزدوجة المعايير، فكل أمثلتك عن دول أخرى من أمريكا وفرنسا وحتى بريطانيا، فأين الدنمارك هنا؟ وبالمناسبة ماذا تعنين بالغرب؟ لا يوجد شيء اسمه الغرب! أنا إنجليزي وأكره الفرنسيين وبيننا وبينهم ثارات تاريخية، كما أنني لا أطيق الأمريكيين ولا أتحمل سماع لهجتهم، ونظرتي لهم بأنهم باستثناء سكان (كاليفورنيا ونيويورك وبعض ولايات الشمال) مزارعون وقرويون وحمقى لا يدرون شيئا عن الدنيا

المزيد


فديتك..يا حبيبي!

يناير 26th, 2006 كتبها مرام نشر في , سياسي-إسلامي



التالي