Steganography- تقنية اخفاء البيانات (مجلة المعرفة _ المجلة الثقافية)

نوفمبر 21st, 2007 كتبها مرام نشر في , تقني

الستيغانوغرفي

 

مقدمة:

   

    تهدف تقنية الستيغانوغرفي (Steganography) التي سيتم الحديث عنها في هذا المجال، إلى إخفاء البينات داخل بيانات أخرى، بطريقة لا تؤدي إلى التأثير في هذه الأخيرة، بحيث لا تثير أي شبهة أو شك قد يؤديان إلى كشف الحقيقة. والغرض من عملية الإخفاء هذه أن لا يعلم المهاجم المحتمل عن وجود هذه البيانات، وبالتالي يتم حمايتها من القراءة أو التغيير أو التدمير عن طريق هذا المهاجم، لأنه إذا كنت لا تعلم بوجود شيء ما أصلا فكيف يمكن لك الاستفادة منه أو تدميره؟

    وهذا الذي يجعل هذه التقنية مختلفة عن التشفيرCryptography))، ففي التشفير يعلم المهاجم بوجود هذه البيانات، وقد يستطيع الوصول إليها، لكنه لا يستطيع قراءتها إلا بعد كسر الشفرة، لكنه قادر على إزالتها إذا شك فيها مثلا.

    قد يتساءل البعض..وما الحاجة إلى إخفاء وجود البيانات ولم الخوف؟ والسبب يعود إلى وجود حالات قد يكون فيها مجرد وجود شك لدى السلطات أو العصابات أو غيرهم، بتسرب معلومات ما، كفيلا بالقضاء على حياة إنسان! كما في حالات انتهاكات السلطات لحقوق الإنسان، وأثناء الحروب الأهلية، أو وللمراسلين والصحفيين الذين يغطون الحروب والغزوات والنزاعات، الراغبين في إيصال الحقيقة للعالم، دون أن يعرضوا حياتهم أو حياة غيرهم للخطر.

  ومثال جيد على هذه الحالات، ما حصل إبان الحرب الأهلية في جواتيمالا، والتي قتل فيها 100000 شخص، فبحسب ما يذكره Korhorn)[1]) فإن المنظمة  العالمية لحقوق الإنسان (The International Center of Human Rights Research) قد جمعت حوالي 5000 شهادة، من شهود عيان، عن طريق استخدام هذه التقنية مع التشفير، فحصلت على المعلومات وحافظت على حياة الشهود.

    حاليا تشغل الأبحاث في مجال هذه التقنية، حيزا كبيرا من اهتمام الباحثين، لسبب بسيط وهو أن لها استخدامات هامة في التجارة الإلكترونية، التي تزداد تطبيقاتها، والاهتمام بها يوما بعد آخر. حيث من   تطبيقاتها العلامات المائية أو ما يعرف ب ( Watermarks). وتستخدم هذه الأخيرة في عمليات حفظ الحقوق للمنتجات الرقمية، والحد من عمليات القرصنة، مثل الاسطوانات الخاصة بالموسيقى وغيرها، وكذلك الصور والبرامج التي تباع عبر الإنترنت. فبالرغم من المشتري هنا قد يعلم بوجود هذه العلامات، لكنه لا يعرف أين توجد داخل المنتج، ولا البرنامج الذي استخدم في عملية الإخفاء، ولا كلمة السر ومفتاح التشفير، وبالتالي يصعب عليه، إزالتها، وإعادة النسخ. 

    وقد يعد استخدام الستيغانوغرفي في هذا المجال أهم استخداماتها على الإطلاق، وهو أكثر أهمية من استخدامها في مجال الحماية وأمن المعلومات إذ لا يزال التشفير هو سيد الموقف، ولا تزال الستيغانوغرفي هنا ابن عمه الفقير. وإن كانا يستخدمان غالبا معا في مجال الحماية، حيث يتم تشفير البيانات أولا ثم إخفاؤها.

    وبالرغم من أن هذه التقنية حديثة نسبيا إلا أن هناك العديد من في السوق  وعبر الإنترنت، والتي تستهدف المستخدم العادي، والتي تعمل بهذه التقنية. وأذكر هنا برنامجان قمت بتجربتهما: وهما  (Hiderman)  و

(Steganos Security Suit).

 

 ما هو الستيغانوغرفي Steganography ؟

 

    الستيغانوغرفي هو إخفاء رسالة ما (بيانات) داخل رسالة أخرى (بيانات أخرى) بهدف إخفاء وجود الرسالة الأولى، لهدف محدد. والبيانات المستخدمة كظرف أو وعاء للإخفاء يمكن أن تكون عبارة عن ملفات الوسائط المتعددة (الملتيميديا) كالصور، والنصوص، وملفات الصوت أو الفيديو، وغيرها. وقد تكون كذلك ملفات تنفيذية لبرامج مختلفة من نوع (exe). وهكذا في عملية الإخفاء هذه نحتاج إلى ملفين أحدهما يسمى الغطاء

(cover)، والآخر هو المادة المراد إخفاؤها.

    ويُعَرفها (Jojodia & Johnson 1998)[2]على أنها " فن إخفاء المعلومات بطريقة لا تسمح باكتشافها".

    وكما سبق الذكر فإن ميزته على التشفير في أنه يخفي وجود الرسالة في حين أن الأول يثبت وجودها ولكنها غير مقروءة، وهناك حالات لن يجدي فيها التشفير نفعا، فإذا ما وقع شخص تحت التعذيب، فسيجبر على فك الشفرة، بينما لا يمكن أن يجبر على فك شفرة شيء غير موجود، أو غير معلوم وجوده أصلا. يقول (Kuhn 1995)[3]: " إن الهدف الرئيسي من هذه التقنية هو إخفاء الرسالة السرية، داخل رسالة عادية ، بطريقة تجعل العدو غير قادر على اكتشاف وجود رسالة سرية أصلا".

 

من أين جاءت هذه التسمية الكلمة المعقدة (Steganography

    

    الكلمة أصلها يوناني، وهي تعني الكتابة المخفية [4](Covered writing).  والستيغانوغرفي كفكرة قديمة قدم التاريخ الإنساني ذاته. فقدماء الإغريق اعتادوا مثلا حفر الرسالة السرية على طاولات من الخشب، ثم يغطونها بطبقه من الشمع. وحين تصل الرسالة على الشخص المقصود، يقوم بإزالة أو إذابة الشمع ليحصل على رسالته. كذلك استخدم الإغريق وسيلة أخرى لنفس الغرض، وإن كانت وحشية بعض الشيء، بمقاييس عصرنا بالطبع. حيث كانوا يقوم بحلق رؤوس العبيد، ثم يتم (وشم) الرسالة السرية على هذه الرؤوس البائسة.  بعدها يحبسون الشخص حتى يطول شعره، فيغطي فروة رأسه (والرسالة السرية معها)، ويرسلونه إلى الطرف الآخر. وحين يصل إلى هناك، يقوم هذا الأخير بحلق رأس العبد، ويقرأ الرسالة. وفي العصر الحديث كان الحبر السري أحد أهم أدوات العملاء والمخبرين خلال الحرب العالمية الثانية.

    وفي العالم الرقمي، يتم إخفاء أي نوع من البيانات والملفات، داخل أنواع عديدة ومختلفة من الملفات. كما أن أحد التطبيقات التي ظهرت نتيجة لهذه التقنية، هي إنشاء حيز (Partition) داخل القرص الصلب، يُفعّل تلقائيا عند تشغيل الجهاز ويستخدم لتخزين المعلومات المراد إخفاؤها.

 

 تحليل الستيغانو Steganalysis: 

  

     تسمى العملية التي تتم فيها محاولة طرف ما اكتشاف وجود المعلومات المخفية، أو قراءتها، أو تغيرها أو حذفها ب Steganalysis. ولنجاح هذه العملية فلابد من أمرين، أولا: اكتشاف وجود معلومات مخفية، وثانيا: تغيرها، أو حذفها أو مجرد قراءتها. وكل وظيفة تقنيتنا هنا هو محاولة إخفاء البيانات بطريقة لا تثير الشبهات، أي لا تترك علامات أو أثرا يدل على حدوث تغير ما. فمثلا في حالة الإخفاء داخل الصور، يجب مراعاة عدة عوامل منها: عدم استخدام صور معروفة، أو نماذج من صور يمكن لأي شخص الحصول على نسخ منها (مثل صور الإنترنت) للإخفاء حيث تسهل المقارنة في حالة وجود صورتين. وكذلك مراعاة ألا يحدث تغير ظاهر في الصور كتشوهها، أو تغير ألوانها بشكل واضح. ولهذا يُنصح بعدم إخفاء بيانات كثيرة في ذات الصورة خوفا من تغيير هيئتها، بطريقة تهدم الهدف الأساسي من استخدام التقنية، لأن إثارة الشبهة يعني فشل العملية. 

المزيد


الجيل الثاني من الويب Web 2.0 - مجلة القافلة ( المقال كاملاً هنا)

نوفمبر 21st, 2007 كتبها مرام نشر في , تقني

 

    قبل عشر سنوات تقريباً، تعرفت شريحة واسعة من سكان المملكة على الإنترنت للمرة الأولى، وإن كانت ولادة الشبكة العنكبوتية العالمية (World Wide Web) وإستخدامها من قبل العامة في الولايات المتحدة وغيرها، قد بدأت قبل ذلك بحوالي أربع سنوات.

    وأذكر تماماً أن تجربتي الأولى في التصفح آنذاك، وخيبة الأمل منها نوعاً ما، فالتجربة لم تجعلني أشعر بالدهشة أو الإنبهار، فما الجديد في أن أقرأ معلومة على شاشة الحاسوب؟ ألم أكن أفعل ذلك ابتداء حين استخدم برنامج الموسوعة الذي كنت أحمله من القرص الممغنط؟!  لكنني سأهيم بهذا الاختراع الجديد لاحقاً، وأقضي أغلب وقتي معه، وذلك حين انفتحت أمامي الأبواب، وسقطت تقريباً كل الحواجز الجغرافية، والزمانية، وحتى الاجتماعية. فحين شاركت لأول مرة في منتدى تفاعلي باسم مستعار، وكتبت تعليقاً ووجدت أن ثمة أناساً كثيرون لا أعرفهم قد بدأوا بالرد عليّ والتفاعل معي، تملكتني دهشة ممزوجة بالفرح، وتكرر الأمر حين أرسلت واستلمت أول رسالة الكترونية. فقد تعرفت فجأة على عالم آخر يكاد يختلف جذرياً عن ذلك الذي ألفته في بيئتي المحيطة.   إذن فقد كان التفاعل الانساني اللامحدود هو مصدر قوة الويب، الذي لم ينتبه له الكثيرون في ذلك الوقت. فقد كانت الصرعة وقتها تدور حول التقنية، وكيفية تطوير هذه الشبكة تقنياً وبرمجياً، أكثر من الاهتمام الذي كان يعطى للجانب الإجتماعي والإنساني. ولكن مع دخولنا الألفية الجديدة، بدء اهتمام المعنيين بالشبكة ينحرف عن النظرة التقنية القاصرة، وبدأ من الواضح أن ثمة تغييراً ما يحصل. هذا التغيير الذي درسه بعض الخبراء والمختصين، وفي جلسة عصف ذهني، صرخ أحدهم يوركا! وجدتها..إنها الجيل الثاني من الويب.. (Web 2.0)!

   

  • من الجيل الأول إلى الثاني..

 

    دعونا ابتداء نزيل شيئاً من اللبس الحاصل، ولنمييز بين الإنترنت والشبكة العنكبوتية أو ما يُعرف بالويب. فالإنترنت هي الشبكة الفيزيائية التي تصل الأجهزة والشبكات بعضها ببعض، فهي شبكة من الشبكات المختلفة، والتي تم إطلاقها من قبل وكالة أبحاث وزارة الدفاع الأمريكية (DARPA) وتعود بداياتها للخمسينات من القرن الفائت. بينما الويب والذي تصميمه في أوائل التسعينات في مركز أبحاث (CERN) بسويسرا، هو محتوى هذه الشبكة، وما ينتقل خلالها، فالإنترنت إذن هي سكة الحديد، والويب هو القطار الذي يسير عليها. إلا أن الغالبية تستخدم كلمتي إنترنت والويب قاصدين هذا الأخير.

    أتى الويب فأتاح لنا للمرة الأولى أن نتبادل رسائل البريد الالكتروني مع أي شخص على ظهر الكوكب، مادام متصلاً مثلنا بالشبكة العنكبوتية. وأتى ليجعلنا قادرين على أن نتصفح ملايين الصفحات الإلكترونية والمواقع الشبكية بضغط زر، فانفتح أمامنا منجم من المعلومات، بامكاننا أن نستخرج منه ما نشاء، شريطة أن نكون قادرين على الوصول إليه ابتداء. فقد كانت مشكلة المعرفة بوجود موقع ما ثم بكيفية الوصول اليه، إن لم نكن نعرف عنوانه بدقة شديدة، مشكلة قائمة، حتى ظهرت محركات البحث التي أعطت تجربتنا في الابحار والتصفح دفعة إيجابية غير محدودة.

    وظلت شبكة الويب طوال عقد التسعينات تقريباً، تميل إلى كونها منجماً للمعلومات، ولكن الاتجاه الذي كانت تتم بها هذه العملية، ظلت وكأنما هي موجهة من طرف واحد، أو أطراف محدودة (مقارنة بالعدد الكلي للمستخدمين). بمعنى بأنه كبريات المواقع والشركات، والقادرين فقط من الأفراد (تقنياً أو مادياً)، هم الذين يصغون المواد المعروضة على الشبكة بشكل رئيسي.  فما على المستخدم العادي سوى أن " يقرأ" الخبر من على موقع البي بي سي مثلاً، أو يشاهد لقطة فيديو دعائية على موقع مايكروسوفت، أو يزور الموقع الالكتروني لفلان من الناس، من دون أن تكون له القدرة على أن يقول رأيه لا في ما قرأ أو شاهد أو تصفح، ولا أن يضيف هو بدوره ما يراه مفيداً أو نافعاً للآخرين. لكن كل ذلك سيتغير مع دخول الويب مرحلة النضج في الألفية الجديدة، إذ ظهرت أنواع جديدة من التطبيقات والتي أخذت تحل محل نظيراتها السابقة. فمثلاً انتشرت المدونات(Blogs)، بما تتيحه من المرونة والسهولة في إضافة الموضوعات والأخبار والوسائط المتعددة، وبما أتاحته (وهو الأهم) من إمكانية تفاعل الزائر أو المتصفح مع المادة المعروضة، سلباً أو إيجاباً، وحلت هذه المدونات تقريباً محل المواقع الشخصية التقليدية. بل وأستخدمت التقنية ذاتها في مواقع الأخبار، بحيث صارت هذه التعليقات تجذب الزائر أكثر من الخبر ذاته أحيانا!    وتم استبدال المواقع التي كان يتم من خلالها تخزين الصور على الشبكة، وإمكانية إتاحتها لعدد محدود من الناس، بأخرى يتم فيها تبادل الصور بالإضافة إلى وضع تعليقات عليها، بحيث يمكن أن تستخدم هذه التعليقات كمفاتيح بحث من قبل أي شخص يزور الموقع، إذ أصبحت هذه المواقع أكثر عمومية وتفاعلية. ومن التطبيقات الأخرى التي شهدت قفزة ملحوظة هي الموسوعات العلمية على الشبكة، ففي البدء كانت الموسوعة البريطانية، والآن صرنا في عصر الويكبيديا، حيث بامكاننا جميعاً أن نساهم بما عندنا في بناء المعرفة الإنسانية. وتوصف هذه التطبيقات مثل ويكبيديا، والمدونات، وغيرها بأنها تطبيقات الجيل الثاني من الويب أو ما أطلق عليه اصطلاحاً اسم

 (Web 2.0).

 

  • خصائص الجيل الثاني:

 

    لاشك أنه ومع دخول الألفية الجديدة، ومرور أكثر من عقد على ظهور الويب واستخدامه اليومي من قبل العامة، فإن ثمة أموراً كثيرة بدأت بالتغير. فمثلاً تطورت لغات البرمجة المختصه ببرمجة الويب بشكل كبير، وازدادات كفاءة الأجهزة، بالإضافة إلى تطور آخر مهم وهو ذلك الذي المتعلق بالمستخدم. فالمستخدمين الذين عرفوا الإنترنت كأطفالٍ ومراهقين للمرة الأولى في التسعينات، قد شبوا، وأخذوا يشكلون نسبة عالية من مجموع المستخدمين. وهؤلاء يمتازون بكفاءة عالية في استخدامه، وهم متحررون من مخاوف الجيل السابق، وليس لديهم عقدة تقنية. ولذلك فمن الطبيعي أن تؤثر كل هذه العوامل على الويب، وتدفع باتجاه حدوث تغييرات وتطورات عدة.

   ظهر مصطلح (Web 2.0) لأول مرة خلال جلسة عصف ذهني في مؤتمر نظمته شركتا (O’Reilly
) و (
MediaLive) في العام 2004، خصصت لمناقشة أهمية الويب في الوقت الحاضر، وللتغييرات المتسارعة التي نشهدها في تطبيقاته المختلفة. ومنذ تلك اللحظة أصبح هذا المصطلح واقعاً يضطر حتى أكثر المعارضين له (كونه لا يعبر بدقه عن ما يشير إليه)، لاستخدامه، وتم استغلاله بشكل هائل من جانب شركات الدعاية والتسويق للترويج للشركات أو المنتجات أو السلع و الخدمات، باعتبارها تستخدم آخر صرعات التكنولوجيا!

    أحد الذين قاموا بطرح تساؤل عما إذا كان استخدام مصطلح Web 2.0 مناسباً هو السير تيم بيرنرز لي (Tim Berners-Leeمبرمج الويب، ومصمم لغة (HTML)، حين كان يعمل بمعهد أبحاث سيرين للفيزياء بسويسرا.  على أساس أن الكثير من المكونات التكنولوجية المستخدمة في هذه التطبيقات والخدمات الجديدة، كانت موجودة ابتداء عند انشاء الويب وإطلاقه للمرة الأولى قبل أكثر من عقد من الزمن.

    وتعرف ويكبيديا[1] Web 2.0، بأنه الجيل الثاني من المجتمعات والخدمات الإلكترونية على الشبكة والتي تتيح بشكل رئيسي التفاعل والمشاركة بين مختلف المستخدمين على الشبكة ذاتها.

    وبالرغم من أن الرقم 2 قد يوحي للبعض بأن هذا يعني ترقية في الخصائص التقنية والتكنولوجية للويب، وتغييراً في البنية البرمجية التي يقوم عليها، فإن الواقع ليس كذلك بالضرورة. فالإنترنت لم تتغيير تقنياً بالشكل الذي تطورت به الطائرات مثلاً، فالأخيرة احتفظت بنفس المهمة الأساسية (نقل الناس من مكان إلى آخر)، لكن هندستها وبنيتها قد تغيرتا كثيراً، بينما العكس صحيح في حالة الشبكة العنكبوتية. فلم تتغير بنية ولا تقانة الشبكة بشكل جذري، وإنما تغير هو الطريقة التي بتنا نستخدم بها هذه الشبكة. فالويب أصبح ينظر له كمنصة وكبيئة إبداع وعمل متكاملة، يتفاعل خلالها المستخدمين مع بعضهم من خلال الشبكة. فالقضية لم تعد علاقة مستخدم بشري بآلة هي جهاز الحاسوب، بل علاقة مستخدم بمستخدم آخر، أي البشر ببعضهم البعض من خلال هذه البيئة، وباستخدام الكمبيوتر كأداة لهذا التواصل الإنساني. وفي بيئة التواصل هذه تبرز قيم الديمقراطية، وحرية التعبير، وغياب المركزية، وحرية تبدال المعلومات والسلع (ضمن قوانين حقوق الملكية الفكرية الالكترونية التي لا تزال موضع جدل). كما أنه يشير إلى التحول الذي طرأ على صفحات ومواقع وقواعد البيانات علىالشبكة، فبدلاً من كونها جزراً منعزلة، ومستودعات متباعدة مستقلة ومنفصلة، أصبحت تميل إلى المشاركة، وإلى كونها مصدراً مترابطاً للمعلومات والخدمات والتي قد ينشيء عن هذه بدورها مواقع وخدمات أخرى.

    ومن جهة أخرى برزت أهمية الويب التجارية بشكل أكبر بكثير مما كان متخيلاً وقت إنشاءه ، فقد أصبح التسوق الالكتروني واقعاً ملموساً، بل باتت لدينا معارض تجارية ومراكز خدمات الكترونية ناجحة، رغم أنه ليس لها وجود فيزيائي حقيقي على أرض الواقع (بخلاف بعض المستودعات من أجل تخزين بعض السلع).

    وما يحاول الباحثون عمله في الوقت الحالي هو دراسة العوامل التي أدت وتؤدي إلى نجاح تطبيق أو خدمة بعينها من هذا النوع، ومحاولة وضع تصور لتطبيقات الجيل التالي.

    فما هي أبرز خصائص هذا الويب؟ وما الذي سيجعلنا نصنف تطبيقياً بعينه، أو خدمة بعينها بأنه من الجيل الثاني؟

    مرة أخرى سنجد أن هناك جدلاً كبيراً بشأن هذا الموضوع، نظراً لحداثة المصطلح من جهة ( أقل من ثلاث سنوات) وعدم وجود جهة مثل اتحاد الشبكة العنكبوتية العالمية (World Wide Web Consortium: W3C)[2] ، قامت بتبني هذه المشروع ووضع الخصائص العامة له، كما فعلت مع مصطلحات وتطبيقات أخرى. لكن الاجتهادات المتفرقة والجهود المتناثره هنا وهناك تكاد تجمع على ما يلي، باعتباره من الخصائص الجوهرية للتطبيقات (Applications) والخدمات (Services)، التي لو توفر كلها أو بعضها فيها لاعتبرت من الجيل الثاني.

  • فهي تستخدم الويب كبيئة ومنصة برمجية تفاعلية لعملها، مستفيدة من الامكانيات الذاتية والخارجية للتفاعل، كبديل لهيكلة التطبيقات السابقة التي توصف بأنها مستقلة ومنغلقة على نفسها. فبإمكان المطورين مثلاً استخدام ما هو متوفر من مكتبات ومصادر الشبكة لتصميم تطبيقات وبرامج جديدة. تواصلاً وامتداداً لفكرة وسياسة المصادر المفتوحة والخدمات الالكترونية (Web Services). وتقنية هذه الأخيرة تمكن أي برنامجيين، حتى وإن كانا مكتوبين بلغتين برمجتين مختلفتين، بأن يتبادلا المعلومات أو المتغيرات. وبعض التطبيقات مثل محرك البحث غوغل، قد أتاحت للمستخدمين استخدام تقنيتها في البحث ضمن نطاق محلي، فأصبح بإمكان استخدام غوغل للبحث في قاعدة البيانات الخاصة بموقع بعينه فقط.
  • أن المعلومات والبيانات والمحتوى هو ما يعطيها قيمتها الأهم.
  • أن هيكلتها تقوم على مباديء المشاركة، التفاعل، الديمقراطية، وحث المستخدمين على أن يكونوا متفاعلين إيجابيين ومساهمين في صناعة المحتوى. فهو إذن يقوم على مبدأ القراءة والكتابة، لا القراءة وحدها كما كان الوضع في السابق.
  • تكمن قيمة الإبداع والقدرة الخلاقة فيها على قدرتها على صنع منتج جديد، من منتجات أو خدمات مختلفة، بتجميعها معاً، لتقديم خدمة جديدة، وتعرف القدرة على دمج خدمتين مختلفين أو أكثر على الشبكة ب (Mash-ups). وكمثال عليها فإنني يمكن أن أنشيء موقعاً لبيع العطلات السياحية، يقوم فيه عميلي الخاص باستخلاص المعلومات من موقع ما يقدم خدمة تأجير السيارات، وآخر لخطوط الطيران، وثالث للفنادق وهكذا، وتجهيزها للعميل على موقعي الذي لن يعرف بأنه في الحقيقية يتعامل مع أكثر من ثلاث أو ربع مواقع خدمية وسياحية. طبعاً لأبد أن يكون الطرف المقدم للخدمة قد سمح بذلك ابتداء قانونياً وتقنياً.
  • وهي تتميز بسهولة تبنيها واستخدامها.
  • وهي قد تجاوزت مرحلة البرمجيات التي تعمل لصالح جهاز واحد.
  • قد توفر خدمة السماح بنشر محتواها في موقع آخر مثل ما تفعله المواقع الإخبارية عن طريق اتحادة اعادة استخدام عناوينها الرئيسية، وهو ما يعرف بالتغذية الإخبارية News Feeds)) باستخدام تقنيةRSS    والتي تتيح للموقع أن يخزن هذه العناوين في ملف من هذا النوع، ومن ثم يسجله مع إحدى أدوات النشر الخاص بهذه التقنية(RSS-Publisher). فيستطيع المستخدم الذي يحدد بدوره أي المواقع التي يريد أن تصله منها تحديثات دورية، وباستخدام أداة قارئة (RSS-Reader or RSS-Aggregator) فإنها ستعمل كما لو كانت صندوق الوارد ولكن لتحديثات مواقع الإنترنت، وبالتالي تكفي هذا المستخدم عناء التنقل بين المواقع. وربما المستخدم بدوره يعيد استخدام ما يصله مباشرة في موقع آخر.

        ومن الصفات الأخرى التي يوصف بها هذا الجيل الجديد من الويب هو ميله إلى التخصص في نوعية الخدمة المقدمة، (Personlisation)، بحيث يلائم المستخدم الفرد أو في حالة أخرى عدة أفراد أو مجموعات (ذوي الاحتياجات الخاصة، أهل تخصص بعينه، مستخدمي لغة بعينها والثقافة التابعة لها، أهل منطقة جغرافية محددة). سواء كان اختيارياً (بعلم وتدخل المستخدم)، أو تلقائياً عن طريق قيام الموقع بمحاولة التكيف والتخصص استناداً إلى كلمات بعينها أو إلى متابعة ما يقوم المستخدم بفعله على ذلك الموقع. فنلاحظ مثلاً أن مواقعاً مثل غوغل أو ياهو يمكنها اليوم أن تتخصص بحيث تقدم لك الأخبار المهمة، ونشرات الطقس، وآخر أسعار الصرف، وأفضل أماكن الغداء..الخ ،اعتماداً على موقعك الجغرافي. بل سيلاحظ مستخدمو بريد غوغل مثلاً، كيف أن محتوى الإعلان الذي يعرض في أحد جوانب الصفحة له علاقة بطريقة أو بأخرى بمحتوى الرسالة. فحين أرسل رسالة لصديقتي أخبرها فيها عن دورة في فن التصوير الفوتغرافي، فلا يجب أن أفاجأ حين أجد قائمة جانبية بدورات في هذا الفن ضمن تطبيق (Google AdSense).  والذين يزورون موق

المزيد


التعليم الإلكتروني..مكملٌ لا بديل! مجلة القافلة (مارس - أبريل)

أبريل 20th, 2007 كتبها مرام نشر في , تقني, مقالات قصيرة- القافلة الأسبوعية، أرامكو

     لكل عصرٍ صرعاته العلمية والثقافية، وإحدى أهم صرعات عصرنا بلا شك هي الشبكة العنكبوتية. التي نستخدمها عبر الإتصال بشبكة الإنترنت، بكل تطبيقاتها المختلفة في مجالات في الثقافة، والإعلام، والترفيه، والصحة، والخدمات الحكومية، ويأتي المجال التعليمي في قمة المجالات التي تحظى باهتمام كبير في الوقت الراهن، في الدول المتقدمة ودول العالم الثالث على حد سواء. بل ويبدو التنافس كبيراً بين ضفتي الأطلسي، بين دول الاتحاد الأوربي، ودول أمريكا الشمالية في هذا المجال. فالأوربيون يخشون من الهيمنة الأمريكية على مجال التعليم الإلكتروني، وسيطرت الشركات التجارية عليه، كما سيطرت على الإنترنت برأيهم، ويرغبون بأن تكون لهم كلمة في الأسس التي يقوم عليها هذا النوع التعليم. ولذلك قاموا بإنشاء العديد من الهيئات والمؤسسات والمجموعات البحثية التي تجري الأبحاث في مجال التعليم الإلكتروني، وأنفقوا عليها بسخاء.     ظهر التعليم الإلكتروني المتصل بشبكة الإنترنت بوجه خاص، استجابة للتغيرات الاجتماعية والثقافية في عصر العولمة. فالحواجز التي أزالتها شبكة الإنترنت، فتحت للمرء آفاقاً جديدة ومكنته من الوصول إلى مصادر مختلفة للمعرفة وهو جالس في بيته أو مكتبه. وأصبح بإمكانه إلى حد كبير التغلب على العوائق المحلية، مثل نقص المصادر العلمية، أو قلة المتاح منها للجمهور، أو صعوبة التنقل (كما هو الحال بالنسبة للمرأة مثلاً)، أو عدم وجود عدد كافٍ من المقاعد الجامعية. كما أنه بالنسبة للعاملين بدوام كامل، أعطتهم فرصة لكي يواصلوا تطوير قدراتهم وهم على رأس العمل، وهو أمر ضروري في عصر التطورات المتلاحقة، وهذا الكم الهائل من المعلومات الجديدة كل يوم. فكثير مما تعلمناه في المدرسة والجامعة، سيصبح منتهي الصلاحية وبحاجة إلى تجديد في فترة قصيرة، خاصة في مجالات بعينها مثل تقنية المعلومات.    

     والتعليم الإلكتروني نوعٌ من أنواع التعليم المختلفة التي عرفتها البشرية عبر تاريخها، ولكن يخطيء من يظن بأنه الحل السحري لكل المشكلات التعليمية. بل إنه (من ناحية المنهج والمحتوى وطريقة التدريس) يعاني من السلبيات ذاتها التي يعاني منها التعليم التقليدي. فإذا كان المنهج الدراسي في أساسه متخلفاً عن الركب العلمي، أو مشوشاً وغير مكتمل، فإن نسخ هذه المعلومات ولصقها على الشبكة العنكبوتية سوف لن يقدم لنا تعليماً أفضل.       

      وقد تنبه الباحثون في مجال التعليم الإلكتروني، إلى أن مجرد توفير المادة العلمية على الشبكة، بالطريقة ذاتها التي تعرض بها في كتاب معروض، لا يعد فتحاً علمياً،

المزيد


التعليم الإلكتروني.. ومعاناة غفار!

فبراير 21st, 2007 كتبها مرام نشر في , اجتماعي, تقني, محليات, مقالات عامة

نشرت صحيفة الوطن بتاريخ السبت 27 محرم 1428هـ الموافق 17 فبراير 2007 خبراً بعنوان "100 مليون لتوفير حلول إلكترونية بالمدارس ..التربية: مناهج رقمية وجهاز محمول مجاني لكل طالب وطالبة خلال عامين"، جاء فيه أن المملكة ستبدأ في إدخال التعليم الرقمي عبر مناهج وزارة التربية ابتداء من العام القادم، وتحدث مدير عام تطوير تقنيات التعليم المكلف يوسف بن صالح الشويمان عن أهداف المشروع الطموحة، وتحدث عن المعوقات أيضاً، وعن رغبة الوزارة في تنظيم مؤتمر دولي حول التعليم الإلكتروني. وأن المجال مفتوح أمام مختلف الشركات التقنية " لتجريب" منتجاتها الإلكترونية في مدارس المملكة.
وقبل ذلك بيومين نشرت الوطن في صفحة نقاشات مقالاً متميزاً لطالبة في الصف الثاني الثانوي بجدة واسمها غِفار محمد العُمري، تحت عنوان: "كلما ذهبنا للمدرسة فوجئنا بقرار جديد يثير الحيرة". وتشتكي هذه الكاتبة الصغيرة من الحيرة والفوضى والارتباك وكل الأمور المزعجة التي تترتب على القرارات الارتجالية لوزارة التربية والتعليم، والتي يتم تطبيقها فجأة أثناء العام الدراسي، مما يربك المعلمات والطالبات ويعيق العملية التعليمية.
في البلدان المتقدمة يعتبر التعليم أحد أهم القضايا التي يمكن أن تسقط الحكومات، وفي بريطانيا مثلاً فإن هناك موضوعين رئيسيين هما أبداً موضع انتقاد لحكومة بلير: غزوه للعراق، وما يعتبره البعض فشله في إصلاح وتحسين نظم التعليم في المدارس العامة. فالتعليم باختصار هو حاضر الأمة ومستقبلها، ولا مكان فيه " للتجريب" أو لارتجال الخطط، ولركوب الموجات. فهناك الكثير من الخطط والأفكار التي تطرح كل يوم، ولكن قبل أن تأخذ حيز التنفيذ، فإنها تطرح للدارسة العميقة من قبل أخصائيين في مجالاتهم، ويتم تحديد موعد مناسب للبدء بتطبيق خطة ما، بحيث يكون لدى الجميع الوقت الكافي لترتيب أوضاعهم.
بينما الوضع عندنا يكاد يكون العكس تماماً، فربما هذه واحدة من أكثر الوزارات التي شهدت تغييرات وتبديلات ومراجعات في أزمنة قياسية. والنتيجة؟ ضعف واضح في مخرجات التعليم العام، وجيل شبه أمي. فحين يتخرج الطالب بعد اثنتي عشرة سنة، وهو عاجز عن كتابة مقال مقبول، ويعاني من أخطاء إملائية فظيعة فلا يميز بين (الضاد) و(الظاء)، وينصب الفاعل ويرفع المفعول، وحين تكون معلوماته التاريخية والجغرافيه تقترب من درجة التجمد، ولا يحفظ جدول الضرب، ناهيك عن معرفته بقوانين نيوتن، أو فهمه للجدول الدوري للعناصر، أو تركيب جسم الإنسان، مع جهل تام باللغة الإنجليزية، وحتى على صعيد المواد الدينية فبعضهم لا يستطيع أن يشرح لنا أركان الحج! عندها هل نستطيع أن نعتبره فعلاً شخصاً متعلماً؟ بل ويتخرج البعض وقد ضاع منهم ذكاؤهم الفطري الذي تميز به الأجداد، مع غياب الثقافة واللباقة، والمهارات الخاصة في الحديث أو الخطابة أو المنهجية في التفكير.
دعونا نتحدث عن التعليم الإلكتروني المطروح الآن، وأنا أتحدث اليوم كباحثة في هذا المجال وطالبة دكتوراة، وقد قرأت عشرات أوراق البحث حول الموضوع، وحضرت العديد من المؤتمرات، وعملت في فترة الصيف مع مجموعة بحث يرأسها خبير عالمي في التعليم الإلكتروني المتكيف، ولذلك أستطيع أن أقول بكل ثقة إن ما ورد في الخبر أثار قلقي.
فمن ناحية، أشعر بأن الموضوع لم يأخذ حقه من البحث من قبل اختصاصيين واختصاصيات في هذا المجال كما ينبغي، وهو أمر كان لابد أن يبدأ قبل خمس سنوات على الأقل. وبالتالي أشعر بأن هناك عدم وضوح حول تعريف التعليم الإلكتروني، ولماذا نريد أن نطبقه في بلادنا؟ هل لأنه مفيدٌ لنا فعلاً؟ وكيف عرفنا ذلك؟ هل أجريت أبحاث ميدانية سعودية بهذا الخصوص؟ أم أننا نفعله لأن العالم كله يتجه نحو هذا النوع من التعليم؟
من ناحية أخرى، هل مدارسنا المتهالكة والمستأجرة، والتي تتشارك أربعون طالبة أو خمسون طالباً في صف واحدٍ فيها، مؤهلة لهذا الترف التعليمي في العام القادم؟
وهل المعلمون والمعلمات، جاهزون لكي ليس فقط يعلموا التلاميذ كيفية استخدام هذه التقنية والاستفادة منها، بل لكي يساهموا هم بأنفسهم في صياغة الدروس، وترتيب المنهج كما ينبغي؟ فهناك ثلاثة أنواع من محضري أي درس إلكتروني: أخصائيو المجال الذين يقومون بتجهيز المادة العلمي

المزيد