الستيغانوغرفي
مقدمة:
تهدف تقنية الستيغانوغرفي (Steganography) التي سيتم الحديث عنها في هذا المجال، إلى إخفاء البينات داخل بيانات أخرى، بطريقة لا تؤدي إلى التأثير في هذه الأخيرة، بحيث لا تثير أي شبهة أو شك قد يؤديان إلى كشف الحقيقة. والغرض من عملية الإخفاء هذه أن لا يعلم المهاجم المحتمل عن وجود هذه البيانات، وبالتالي يتم حمايتها من القراءة أو التغيير أو التدمير عن طريق هذا المهاجم، لأنه إذا كنت لا تعلم بوجود شيء ما أصلا فكيف يمكن لك الاستفادة منه أو تدميره؟
وهذا الذي يجعل هذه التقنية مختلفة عن التشفيرCryptography))، ففي التشفير يعلم المهاجم بوجود هذه البيانات، وقد يستطيع الوصول إليها، لكنه لا يستطيع قراءتها إلا بعد كسر الشفرة، لكنه قادر على إزالتها إذا شك فيها مثلا.
قد يتساءل البعض..وما الحاجة إلى إخفاء وجود البيانات ولم الخوف؟ والسبب يعود إلى وجود حالات قد يكون فيها مجرد وجود شك لدى السلطات أو العصابات أو غيرهم، بتسرب معلومات ما، كفيلا بالقضاء على حياة إنسان! كما في حالات انتهاكات السلطات لحقوق الإنسان، وأثناء الحروب الأهلية، أو وللمراسلين والصحفيين الذين يغطون الحروب والغزوات والنزاعات، الراغبين في إيصال الحقيقة للعالم، دون أن يعرضوا حياتهم أو حياة غيرهم للخطر.
ومثال جيد على هذه الحالات، ما حصل إبان الحرب الأهلية في جواتيمالا، والتي قتل فيها 100000 شخص، فبحسب ما يذكره Korhorn)[1]) فإن المنظمة العالمية لحقوق الإنسان (The International Center of Human Rights Research) قد جمعت حوالي 5000 شهادة، من شهود عيان، عن طريق استخدام هذه التقنية مع التشفير، فحصلت على المعلومات وحافظت على حياة الشهود.
حاليا تشغل الأبحاث في مجال هذه التقنية، حيزا كبيرا من اهتمام الباحثين، لسبب بسيط وهو أن لها استخدامات هامة في التجارة الإلكترونية، التي تزداد تطبيقاتها، والاهتمام بها يوما بعد آخر. حيث من تطبيقاتها العلامات المائية أو ما يعرف ب ( Watermarks). وتستخدم هذه الأخيرة في عمليات حفظ الحقوق للمنتجات الرقمية، والحد من عمليات القرصنة، مثل الاسطوانات الخاصة بالموسيقى وغيرها، وكذلك الصور والبرامج التي تباع عبر الإنترنت. فبالرغم من المشتري هنا قد يعلم بوجود هذه العلامات، لكنه لا يعرف أين توجد داخل المنتج، ولا البرنامج الذي استخدم في عملية الإخفاء، ولا كلمة السر ومفتاح التشفير، وبالتالي يصعب عليه، إزالتها، وإعادة النسخ.
وقد يعد استخدام الستيغانوغرفي في هذا المجال أهم استخداماتها على الإطلاق، وهو أكثر أهمية من استخدامها في مجال الحماية وأمن المعلومات إذ لا يزال التشفير هو سيد الموقف، ولا تزال الستيغانوغرفي هنا ابن عمه الفقير. وإن كانا يستخدمان غالبا معا في مجال الحماية، حيث يتم تشفير البيانات أولا ثم إخفاؤها.
وبالرغم من أن هذه التقنية حديثة نسبيا إلا أن هناك العديد من في السوق وعبر الإنترنت، والتي تستهدف المستخدم العادي، والتي تعمل بهذه التقنية. وأذكر هنا برنامجان قمت بتجربتهما: وهما (Hiderman) و
(Steganos Security Suit).
ما هو الستيغانوغرفي Steganography ؟
الستيغانوغرفي هو إخفاء رسالة ما (بيانات) داخل رسالة أخرى (بيانات أخرى) بهدف إخفاء وجود الرسالة الأولى، لهدف محدد. والبيانات المستخدمة كظرف أو وعاء للإخفاء يمكن أن تكون عبارة عن ملفات الوسائط المتعددة (الملتيميديا) كالصور، والنصوص، وملفات الصوت أو الفيديو، وغيرها. وقد تكون كذلك ملفات تنفيذية لبرامج مختلفة من نوع (exe). وهكذا في عملية الإخفاء هذه نحتاج إلى ملفين أحدهما يسمى الغطاء
(cover)، والآخر هو المادة المراد إخفاؤها.
ويُعَرفها (Jojodia & Johnson 1998)[2]على أنها " فن إخفاء المعلومات بطريقة لا تسمح باكتشافها".
وكما سبق الذكر فإن ميزته على التشفير في أنه يخفي وجود الرسالة في حين أن الأول يثبت وجودها ولكنها غير مقروءة، وهناك حالات لن يجدي فيها التشفير نفعا، فإذا ما وقع شخص تحت التعذيب، فسيجبر على فك الشفرة، بينما لا يمكن أن يجبر على فك شفرة شيء غير موجود، أو غير معلوم وجوده أصلا. يقول (Kuhn 1995)[3]: " إن الهدف الرئيسي من هذه التقنية هو إخفاء الرسالة السرية، داخل رسالة عادية ، بطريقة تجعل العدو غير قادر على اكتشاف وجود رسالة سرية أصلا".
من أين جاءت هذه التسمية الكلمة المعقدة (Steganography )؟
الكلمة أصلها يوناني، وهي تعني الكتابة المخفية [4](Covered writing). والستيغانوغرفي كفكرة قديمة قدم التاريخ الإنساني ذاته. فقدماء الإغريق اعتادوا مثلا حفر الرسالة السرية على طاولات من الخشب، ثم يغطونها بطبقه من الشمع. وحين تصل الرسالة على الشخص المقصود، يقوم بإزالة أو إذابة الشمع ليحصل على رسالته. كذلك استخدم الإغريق وسيلة أخرى لنفس الغرض، وإن كانت وحشية بعض الشيء، بمقاييس عصرنا بالطبع. حيث كانوا يقوم بحلق رؤوس العبيد، ثم يتم (وشم) الرسالة السرية على هذه الرؤوس البائسة. بعدها يحبسون الشخص حتى يطول شعره، فيغطي فروة رأسه (والرسالة السرية معها)، ويرسلونه إلى الطرف الآخر. وحين يصل إلى هناك، يقوم هذا الأخير بحلق رأس العبد، ويقرأ الرسالة. وفي العصر الحديث كان الحبر السري أحد أهم أدوات العملاء والمخبرين خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي العالم الرقمي، يتم إخفاء أي نوع من البيانات والملفات، داخل أنواع عديدة ومختلفة من الملفات. كما أن أحد التطبيقات التي ظهرت نتيجة لهذه التقنية، هي إنشاء حيز (Partition) داخل القرص الصلب، يُفعّل تلقائيا عند تشغيل الجهاز ويستخدم لتخزين المعلومات المراد إخفاؤها.
تحليل الستيغانو Steganalysis:
تسمى العملية التي تتم فيها محاولة طرف ما اكتشاف وجود المعلومات المخفية، أو قراءتها، أو تغيرها أو حذفها ب Steganalysis. ولنجاح هذه العملية فلابد من أمرين، أولا: اكتشاف وجود معلومات مخفية، وثانيا: تغيرها، أو حذفها أو مجرد قراءتها. وكل وظيفة تقنيتنا هنا هو محاولة إخفاء البيانات بطريقة لا تثير الشبهات، أي لا تترك علامات أو أثرا يدل على حدوث تغير ما. فمثلا في حالة الإخفاء داخل الصور، يجب مراعاة عدة عوامل منها: عدم استخدام صور معروفة، أو نماذج من صور يمكن لأي شخص الحصول على نسخ منها (مثل صور الإنترنت) للإخفاء حيث تسهل المقارنة في حالة وجود صورتين. وكذلك مراعاة ألا يحدث تغير ظاهر في الصور كتشوهها، أو تغير ألوانها بشكل واضح. ولهذا يُنصح بعدم إخفاء بيانات كثيرة في ذات الصورة خوفا من تغيير هيئتها، بطريقة تهدم الهدف الأساسي من استخدام التقنية، لأن إثارة الشبهة يعني فشل العملية.













