ذكريات مدرسية
كتبهامرام ، في 13 سبتمبر 2006 الساعة: 08:14 ص
بعد غياب طويل لي نسبياً عن الكتابة وجدتُ أن الموضوعات التي أرغب بالحديث عنها كثيرة، لكن بما أن هذا الأسبوع يصادف بدابة العام الدراسي الجديد في الوطن، وبالتالي سنعود جميعاً مرة أخرى للحديث عن النظام التعليمي وتطويره وتحديثه وغيرها من الأمور التي نتحدث فيها منذ عشر سنوات تقريباً. وسيكثر الحديث عن المناهج الدراسية، وعن عدم ملاءمتها للعصر، وعن دعمها للإرهاب ورفض الآخر..الخ. لكنني اليوم أريد الحديث عن الأمور الأخرى التي نتعلمها في المدرسة، الدروس العملية، التي من الصعب جدا أن ننساها. وأنا أستعرضها من خلال تجربة شخصية، ليس الغرض منها إزعاج القراء بقصة حياتي، وإنما أقدمها نموذجا عن ما يحصل في مدارسنا، وبدون تأليف أو مبالغة.
بداية تعود بي الذاكرة إلى مدرستي الابتدائية، أول صدمة كانت المبنى المدرسي المتهالك، ثم البواب الذي كان يضرب الطالبات بجذع شجرة، ولا أظن أنه يفرق كثيرا بيننا وبين الغنم الذي تتحول مدرستنا إلى مرعى له في المساء. فصلنا كان كئيبا، لا لوحات لا تنظيم، والطالبات مكدسات فوق بعضهن، الغبار في كل مكان. وحين يضرب جرس الفسحة، فإنني ظننت أن القيامة قامت، فهناك تدافع فظيع على الدرج، تسقط فيه ضحايا، من البشر، والأحذية والحقائب، المنظر يشبه إلى حد ما تدافع جسر الجمرا!. وكانت المشكلة التي جعلت المسألة أشد بشاعة في نظري أنني كنت قادمة من مدرسة حكومية جميلة في مدينة (دندي) بإسكتلندا، وكنت أتوقع مدرستي السعودية شيئا شبيها بها (فصول جميلة..قاعات رياضية..ساحة كبيرة ونظيفة..معلمة لطيفة ومدير حنون). ولكن كان أول درس تعلمته في بلادي: (لا يوجد نظام و لا طوابير.. وإن لم تكن عجلا داستك العجول!).
ذات يوم، أتتني طالبة وطلبت مني أن أساعد قريبتها، الشبه مستيقظة، في كتابة الواجب لأنها لا تستطيع. وأنا مدفوعة بكل القيم النبيلة، قمت بحل واجبها بكل شهامة، وشعرت بالرضا عن نفسي . لكن الفتاة كانت أغبى مما تصورت، فعندما فوجئت المعلمة بأنها حلت الواجب، ردت بأن (مرام) قد حلته! نظرت لي المعلمة بغضب شديد، ثم طلبت مني الحضور إلى السبورة، وهناك ضربتني على يدي بالمسطرة الخشبية مرتين. عدت لمقعدي وأخذت أفرك يدي من الألم، ولم أفهم شيئا! معلمتي لم تقل لي لماذا عاقبتني على فعل ما ظننته خيرا، وكان هذا الدرس الثاني ( لا تساعد أحدا..لأنه خيراً تفعل ..شراً تلقى والسلطة لها كل الحق لتعاقبك دون أن تخبرك حتى بالتهمة).
ثم كان أن جرحت يدي بشدة بسبب سقوطي على زجاجات مهشمة لقوارير من الشطة، كانت بعض الفتيات يدمن شربها، ويرمينها في ركن قصي من المدرسة. كانت غلطة المدرسة وليست غلطتي، ولو كنت في مكان آخر، لقاضى أهلي المدرسة. كانت يدي تنزف بطريقة فظيعة، فالشق كبير ومرعب وفي باطن الكف، وكدت أموت من الهلع، أخذوني للإدارة وأنا أبكي، فما كان من المديرة، إلا أن صرخت في وجهي، ولعنت وشتمت، وقالت لي : (جئتي لنا بمصيبة)! بعدها أخذتني النائبة إلى مستشفى (أهلي) بالرغم من وجود مستشفى حكومي قريب. أجريت لي عملية غاية في السوء، لدرجة اضطرت والدي لفكها وإعادة الخياطة من جديد، حتى لا تتشوه يدي. المهم كان علينا في النهاية أن ندفع ثمن العملية للمديرة، وقد فعلنا، وتبقى لنا عند المدرسة (خمسون ريالا) لم يعدها أحد لنا أبدا. هذه الحادثة كانت الدرس الثالث ( حياة الإنسان غير مهمة.. المهم أن تظل الصورة..صورة المدرسة مشرقة والمديرة جميلة!).
وتمر السنوات، وأجد نفسي في المرحلة المتوسطة، وقد تعودنا على وجود جدول اختبارات شهرية، ولما ألغوه تضايقنا كثيرا. فكتبنا ورقة بأسمائنا ووقعناها، ثم حملتها أنا وصديقتي للمديرة، طالبين منها التكرم بإعادة العمل بنظام الجدول. المديرة نظرت لنا بريبة، وطلبت منا بهدوء، أن لا نقوم بهذه (الأفعال) مرة أخرى، وهم يعرفون الأصلح وسيعملون به. وهكذا كان الدرس الرابع (النضال السلمي لأجل التغيير أمر غير محبذ ..والسلطة أبخص بالأمور)!
دوماً كنت أحب مادة التعبير، وكان الجميع يرى أن ما أكتبه جميل، ما عدى معلمة العربية على ما يبدو، وهكذا لو نلت الدرجة النهائية في كل المواد، فلن أنالها في التعبير. ذات مرة كان عندنا موضوع عن المواهب الضائعة في المجتمع، فكبت موضوعا، ضمنته أفكار يمكن أن يتم بها إصلاح الوضع. عاد لي دفتري بعلامة متوسطة مع عبارة ( نريد أن نثبت أن هناك مواهب ضائعة في المجتمع ولا نريد منكِ حلولا!). الدرس الخامس:( إذا كانت عندك موهبة فاحتفظ بها لنفسك ولا تحاول القيام بأي مبادرة.. فقط نفذ المطلوب). وهنا تذكرت مدير مدرستي الإسكتلنديه وكيف كان يوصي والدينا بأن يعلقوا (الخربشات) التي كنا نرسمها بفخر على جدران البيت، حتى نفرح ونتشجع، ولا يتم كبت مواهبنا.
ثم وصلت للمرحلة الثانوية، وعملنا بجد في مسابقة تزيين الفصول، وأذكر أنني بذلت بجهد استثنائيا مع بضعة طالبات، لكن يوم التقييم كنت مريضة، فلم أشارك في استعراض الصف، وفي استقبال المعلمات، وتعريفهن بصفي. في اليوم التالي، فاز فصلنا، وتم تكريم الطالبات اللاتي قمن بجهد استثنائي، زميلاتي اللاتي برزن يوم المسابقة، كُرمن، أما أنا فلم أكرم، لم يعرف بي أحد. الدرس السادس: ( إن عملت بصمت..فتوقع الجزاء من الله وحده..أما هنا فلن يهتم بك أحد..وحدهم المتزلفون والمتسلقون والظاهرون ينالون التقدير).
وجاء اليوم الكبير، يوم التخرج من الثانوية، يوم انتظرناه طويلا، وكانوا في كل مرة يهددوننا بأن الحفلة ستُلغى، حتى أصبنا بالإحباط، وفكرنا بأنه لم تكن هذه حفلة التخرج لواحدة من أهم المراحل الدراسية، لتنازلنا عنها. المهم حصلت الحفلة في النهاية، وصممنا على أن نستمتع باللحظة أكثر مما نستطيع، لكن هل يدعونا نفرح؟ كلا، فقد استغلت المديرة المتعنتة أصلا، تمايل فتيات من الصف الأول، على أثر أنشودة (بالدفوف) قدمتها الطالبات. كان تمايلا وهن جالسات، في مدرسة بنات، ومع ذلك قررت المعلمة، إيقاف النشيد والحفلة. وسط ذهولنا ودموعنا، انتهت الحفلة، وصعدت فتيات الصف الأول والثاني لفصولهن. أما نحن فكنا في الساحة، نشكو إلى الله همنا، فيما تحاول فئة من الطالبات، استرضاء المديرة لإكمال الحفلة، مقتصرة علينا نحن فقط في إحدى القاعات، وقمن بالاعتذار لها، وتقديم الورود. وجاءت الأخبار، بأنها وافقت، فدخلنا للقاعة، وأكملنا الحفلة ونحن نبكي. لن أنسى هذا اليوم ، وهنا كان الدرس السابع ( الديكتاتورية المتمثلة بتحكم فرد بمصير الجماعة شيء مخيف ومقيت.. وأصعب شيء أن تعاقب الجماعة أو الأمة بذنب أفراد).
لا أريد أن يُفهم بأن حياتي المدرسية كانت قمة في البؤس، وأنه ما كانت هناك معلمات جيدات، بالعكس هناك معلمات لن أنساهن، وبوركت أياديهن، وهناك مواقف مدرسية ولا أحلى، و قيم نبيلة ومعاني إسلامية، تم ترسيخها في قلبي وعقلي للابد. لكننا في زمن الدعوة للإصلاح، فكان أن ذكرت السلبيات، خاصة وأن الأوضاع لم تتغير، فقد عاد أخي الصغير حزينا من المدرسة قبل عامين تقريباً، لأن أحد الشيوخ الذي قدموا لإلقاء محاضرة في المدرسة، شتم المسلسل الذي يحبه (طاش ما طاش)، سألته: لماذا لم تشرح له وجهة نظرك بأدب؟ فقال ( صديقي حاول.. لكن الشيخ قال له : اسكت يا غبي!). وهكذا تعلم أخي أيضا الدرس ( الاختلاف في الرأي، يفسد كل قضايا الود، وعقوبته إهانة علنية).
إذن، ليست المشكلة في المناهج المكتوبة وحدها، فهناك مناهج أخرى أخطر،هي الأولى بالإصلاح ، شريطة أن تكون جزء من إصلاح مجتمع. لأنه من الظلم أن نحرم الطلبة من هذه الدروس المهمة، ثم نقدمهم لمجتمع سيتعلمون فيه ويصطدمون بهذه القيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات عامة | السمات:مقالات عامة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 14th, 2006 at 14 سبتمبر 2006 8:54 م
مقال رائع وممتع الى الامام دائما…وحشتيني (أمنية)
سبتمبر 14th, 2006 at 14 سبتمبر 2006 10:00 م
اهلااااااا بكي معلمتي في الكتابه وعوداا حميدا ومن طول الغيبات جاب الغنايم
.
جميله هي الذكريات والاجمل ان تكون فيها شئ من المغامره فنحن عشنا في زمن الدكتاوتريه التعليميه ,ا ان المعلم او الفراش هو المسؤل اي انه في منزلة المدير ففي تلك الايام لستي انتي من عاش الم السنون ولكن كل شخص فينا عاشها حتى من كن يجتهد يجد نصيبه من لاهانه والتحطيم
لكن ليس كل شخص يجد اهانه مثل غيره فانا وجدت بما فيه الكفايه من الذل من المعلمين وخاصة الاجانب فالكل يريد ان يكون مسؤل تعلما عدم السيطره على نفسياتنا تعبنا مع كل صرخة وتعلمنا مع كل وقاحه يقولونها لنا ليس الهدف خوف او غيره ولكن المقصد هو التريث حتى ياتي الله بحلها وتسير الامور لو باصعب شئ او بالقوه
.
.
اليوم نريد التغيير ولكن هل نحن من سيغير في التعليم نحن نطالب نريد تعليم المعلم وليس الطالب نريد ان يكون المعلم هو اللذي يريد التعلم من طالبه بفهم الطالب له ليس بالقوه يأتي كل شئ وليس بالضرب تحصل على اي شئ صحيح ان منع الضرب في مدارسنا حصل ولكن من هو اللذي ينفذ الامر المدير الان يقوم بالضرب المعلم في جميع المراحل يضرب الفراش يهين الطالب في المراحل المتقدمه يريدون السيطره وليس هدفهم التعليم
عندما نجد اختي ان الهدف او تفكير المعلم ينصب في عملية تعليم او كيفية نقل المعلومه للطالب نجد ان المعلم بدأ بالتفكير
صحيح ان التعليم لم يسير بالطريق الصحيح في بلدي ولكن عندما اسمع واشاهد في القنوات عن التعلم في البلاد الاخرى اجد اننا مازلنا من عهد ابائنا نمشي على نمط واحد في مسيرة التعليم وكيفية نقل الفدرس الا عقل الطالب بالطريقه الفكريه العلميه الصحيحه
.
.
شكرااا لكي على موضوعك وليت انني اوفيت في الرد واوصلت ماكان مقصود من كتابتك
.
.
اسف على الاطاله ولكن ماذا افعل اذا كنت اريد وانت تريد والله يفعل مايريد
سبتمبر 17th, 2006 at 17 سبتمبر 2006 10:21 ص
العزيزة أمنية..
أهلاً بك..أنا مشتاقة أكثر
لا لقاء قريب
سبتمبر 17th, 2006 at 17 سبتمبر 2006 10:25 ص
الأخ جاكي السعودي..
تعليق ممتاز جداً..شامل ووافي..وأعجبني تركيزك على تطوير المعلم فهو حجر الزاوية!
تحياتي
سبتمبر 18th, 2006 at 18 سبتمبر 2006 5:53 م
السلام عليكم ..
عودة جميلة …مرام
موضوعك اثار ذكريات قديمة
وخصوصا ان مدرستي الابتدائبة كانت مبنى مستاجر ..
لا انكر ان التدريس تغير عما كنا عليه سابقا .. لكن للاسف ليست بالصورة المامولة
بعض الامور تغيرت شكليا لكن المحتوى والاسلوب مكانك سر
وااوكد على كلام الاخ جاكي السعودي ..
المعلم او المعلمة هما الاساس في مسار التعليم ..
وقد رايت احدى المعلمات كيف جعلت من التعليم متعة واضافت انشطة الى المنهج .. كانت انشطة تفاعلية بين المعلمة والطالبة في الفصل .. وبين الطالبة والام في المنزل
ولم تكن مجهدة للطالبة او تستلزم العمل الكثير
تميز فصلها على مدار السنوات السابقة وكرمت على انشطتها وافكارها
مما زاد من اقبال الامهات عى التحاق بناتهم بذات الفصل واشعل وتيرة التنافس بينهن ..
لكن لم تمضي فترة حتى احيلت الى القسم الاداري وعند السؤال ..
تبين ان احدى الامهات تقدمت بشكوى ضدها ..
حقيقة لم ينصف القرار المعلمة ولم يتم التحرى عن الشكوى فمفعول الواو كان كبير ( اقصد الواسطة )
لكن بدعم بعض الامهات والمعلمات اعيدت بعد عام الى التدريس ..
لكنها بدات اقل حماس من السابق .. وعند سؤالي لها اجابت بان القرارت التعليمية تلزمها بماهو مطلوب وفي حال تجاوزت الامر وتقدم بشكوى ضدها ستسوء الامور ..
معلمة مثلها .. اتخذت من التعليم مهنة حبا للتعليم وليس طمعا في المردود ..
هل تم دعمها .. ادرك انها كرمت كثيرا .. لكن هذا امر شكلي اين تبني الافكار اين التطوير
واين هم ..عند تعرضها للشكوى الكيدية ..
اطلت كثيرا ..لكن الموضوع شيق ..
امنياتي لك بالتوفيق ..
تحياتي لك
سبتمبر 18th, 2006 at 18 سبتمبر 2006 6:48 م
عودا حميدا اختي العزيزه000يعجبني كثيرااسلوبك في الكتابه المعتمدعلى تجارب الحياه والواقع البعيد عن النمطيه التقليديه اخوك0000الاسماعيلي
ديسمبر 9th, 2007 at 9 ديسمبر 2007 5:46 م
كل ما استطيع قوله استاذه مرام….انتي رائعه
,,,
يونيو 26th, 2008 at 26 يونيو 2008 12:13 م
شو بدي احكي فالصمت افضل من الكلام احسنت يا مرام
يونيو 26th, 2008 at 26 يونيو 2008 6:51 م
شكراً جزيلاً لكم على تعليقاتكم وعلى الزيارة..