كتب الكثيرون والكثيرات عن السلبيات والإيجابيات المتعلقة ببرامج الابتعاث التي قدمتها وزارة التعليم العالي خلال الفترة الماضية، فيما يتعلق بعملية الاختيار والتحضير النفسي والثقافي، ويحسب للوزارة بأنها أخذت بالآراء التي كانت توصي بأن يتم التركيز على الدراسات العليا بشكل رئيس.
في الأسبوع الماضي نشرت الوطن قائمة بأسماء المبتعثات والمبتعثين للمرحلة الثالثة، وقد لفت انتباهي أن التخصصات الطبية ( طب، طب أسنان، صيدلة، علوم طبية، تمريض) والعلمية ( علوم طبيعية، حاسب آلي، هندسة) والاقتصادية والإدارية ( مالية، محاسبة، قانون، إدارة، تجارة إلكترونية) مازالت هي المسيطرة، كما في المرحلتين السابقتين، دونما تغيير.
ومع أن التخصصات إياها مهمة، إلا أن هناك ثلاث إشكاليات قد تنشأ من استمرار التركيز على هذه التخصصات وحدها. فأولا: قد يؤدي التكدس في تخصصات بعينها إلى أن نواجه بعد خمس سنوات ما يعرف ببطالة المبتعثين، كما واجهنا (ونواجه) بطالة الجامعيين، لا سيما أنه لا يوجد حتى اللحظة تنسيق بين الوزارة وكل من القطاعين العام والخاص (فيما أعلم)، فلا يوجد ما يعرف بيوم المهنة أو (Career's Fairs) في الداخل أو الخارج. فماذا سنفعل بآلاف الخريجين ممن يحملون تخصصاً مثل التجارة الإلكترونية أو الحاسب الآلي؟ بل حتى في تخصص مثل الطب، هل هناك تنسيق بحيث لا يصير لدينا فجأة عشرة آلاف جراح، في حين أن عدد المتخصصين في أمراض العيون مثلاً قد لا يتجاوز المائة؟
فحين تبتعث قطاعات بعينها، مثل الجامعات أو المستشفيات أو الوزارات موظفيها، فهي تبتعثهم في تخصصات محددة، تعرف مسبقاً بأنها بحاجة إليها، وأن مكانهم محفوظ فيها. لكن العكس صحيح فيما يتعلق بالمبتعثين على حساب وزارة التعليم العالي، ولذلك فيجب أن تبدأ الخطوة التالية (بعد الابتعاث)، وهي التنسيق والتجهيز منذ الآن لاستقبال العائدين والعائدات. وقد يكون وضع الطالبات أصعب، بحكم قلة الوظائف المتاحة للمرأة مقارنة بالرجل. فبرامج الابتعاث تسمح للمرأة بالتخصص في أي من المجالات المعلنة، مثل الهندسة والقانون والنفط وغيرها، ولكن هل ستجد هذه الخريجة بعد العودة مكاناً تحت الشمس؟
السبب الثاني، هو أن قصر الابتعاث على تخصصات محددة أدى إلى إقدام بعض المبتعثين على التقديم لدراسة مواد يحبونها، ولا يفقهون فيها، فقط من أجل تحقيق حلم الدراسة في الخارج، وأعرف شخصياً حالات من هذا النوع.
أما السبب الثالث والذي يجعل الاستمرار في التركيز على هذه التخصصات بعينها مشكلة، هو أنها تحرم الآخرين والأخريات، ممن لا يرغبون في هذه التخصصات، من حلم إكمال الدراسة في الخارج، بل وتحرم الوطن من تخصصات أخرى أدبية واجتماعية ونفسية وبيئية يحتاجها الوطن بشدة، وقد لا تكون متوفرة لديه أصلاً، تماماً كما يحتاج التخصصات العلمية إن لم يكن أكثر. فالمجتمع لا يقوم على المادة فقط، ولن ترتقي البلاد بالصناعة أو الطب وحدهما، بل إن أهمية الباحث الاجتماعي الذي يشخص علل المجتمع، والمشرف النفسي الذي يضع لها الحلول ويطبقها، لا تقلان أهمية عن وظيفة الطبيب الذي يشخص المرض، والمهندس الذي يبني البلد.
فمن التخصصات التي يحتاجها الوطن، والتي تتوفر بكثرة في الجامعات الغربية، خاصة في برامج الماجستير، تلك التخصصات التربوية فيما يتعلق بتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة (الصم والبكم، مرضى التوحد، المكفوفين..الخ) وكيفية تعليمهم جنباً إلى جنب مع الأصحاء، وتعليم الكبار، والتعليم الخاص بالأحداث، وتعليم مراحل الطفولة المبكرة وغيرها من البرامج التي لن يجادل مطلع بأننا نعاني نقصاً في المتخصصين فيها. والأمر نفسه ينطبق على التخصصات النفسية والاجتماعية المتعلقة بالفئات السابقة، وأيضاً تلك المتعلقة بكيفية التعامل مع ضحايا العنف الأسري من الصغار والكبار، ومن ضحايا التفكك الأسري، وفيما يتعلق بطلاب المدارس أيضاً، فهناك برامج خاصة للتعامل مع التحرشات والتنمر على الطلاب الأضعف في المدرسة. وكيفية إعادة تأهيل أصحاب الجنح والسوابق، والتعامل مع متغيرات جديدة مثل جرائم الإنترنت، والجريمة المنظمة وغيرها.
وفي عالم اليوم، الذي لا يمكن أن يمر يوم في العالم الغربي على الأقل، دون أن نسمع فيه خبراً متعلقاً بالبيئة، وبالاحتباس الحراري، والتغيرات المناخية، فلا يمكن أن نستغني عن متخصصين ومتخصصات في شؤون البيئة، لا سيما ونحن دولة نفطية، والنفط هو المتهم رقم واحد في قضية التلوث البيئي، بغض النظر عن صحة هذا الأمر من عدمها. وكل الشركات الكبرى تقريباً في أوروبا وأمريكا، لديها أقسام خاصة بالبيئة، سواء كانت شركات نفطية، أو شركات لتصنيع الملابس والعطور والمواد الغذائية، بل وحتى لعب الأطفال.
وبالطبع يبدو من البداهة أيضاً ونحن نعيش في قريتنا الكونية، وشركاتها العابرة للقارات، أن تكون اللغات على قائمة التخصصات المطلوبة، خصوصاً ونحن فوق ذلك بلاد الحرمين التي يفد إليها الناس من كل فج عميق كل عام. فهناك اللغات الأوروبية المختلفة وعلى رأسها الفرنسية والأسبانية والألمانية، واللغات الآسيوية وعلى رأسها اللغة الصينية، التي يطالب أولياء الأمور هنا في بريطانيا بأن تصبح جزءاً من المقرر الدراسي مثل اللغات الأوروبية، لأن دور الصين القادم لا يخفى عليهم. بل وهناك اللغة الفارسية، لغة الجيران على الضفة الأخرى من الخليج، والتي يكتسب تعلمها أهمية كبرى من عدة أوجه. والعديد من الجامعات الغربية تمنح درجة البكالوريوس في تخصصين معاً، فيمكن أن تحصل على شهادة في الهندسة واللغة الفرنسية في نفس الوقت.
وهناك تخصص آخر، نعاني بشدة من عدم وجوده تقريباً في معظم جامعات الوطن، والذي يؤدي إلى ظهور إعلامنا بمظهر غير احترافي أحياناً. هذا التخصص يشمل الإعلام بفروعة المختلفة ومنها الصحافة والإذاعة والتلفزيون والإخراج. فنحن بحاجة إلى صحفية متمرسة محترفة تكشف الحقيقة للناس مجردة من كل هوى، وإلى مذيع متميز يجذب اهتمامنا، وإلى كاتب سيناريو ومعدة برامج ومخرج، على درجة عالية من الثقافة والوعي والاحترافية. كما أنه يلاحظ افتقار الإعلام العربي عموماً للمؤهلين في الإعلام المتخصص: علاقات دولية وسياسية، علوم وبيئة، نفط واقتصاد، ولمن يدركون كيفية التعامل مع الأنواع الجديدة من الإعلام مثل الإعلام على الشبكة.
وأعتقد أن الحديث عن التخصصات " الأخرى" لن ينتهي، ولعلي أختم بالحديث عن التخصصات المتعلقة بإدارة الأزمات والكوارث، وتلك المتعلقة بالأمن والسلامة من كل النواحي.
فالحضارة تقوم على الاهتمام بكافة نواحي الحياة، وهي ناجحة إذا استطاعت أن توازن بين احتياجات الأطراف المختلفة في بيئة ما. بحيث تراعي الإنسان والطبيعة وسائر المخلوقات الحية، وتلبي احتياجات المجتمع المدني الروحية والمادية والاجتماعية والثقافية. وفي الدول المتقدمة، يلاحظ هذا الأمر بشكل تلقائي، فلن تجد أحداً هنا يقول لك عن تخصص ما إنه سخيف أو لا ضرورة له، أو إن المهندس أو الطبيب مفيد أكثر للمجتمع من المعلم أو العاملين في مجال الرعاية الاجتماعية. فقيمة كل امرئ ما يحسنة، وبتجميع كل قطع الأحجية، وترتيبها بشكل صحيح، نصل إلى الحلول والنتائج المرضية.
كتبها مرام في 05:09 مساءً ::
اتفق معك في أهمية تنويع التخصصات وفتحها لتشمل كل مجال.
من وجهة نظري أن يفتح المجال لدراسة أي تخصص لحصة معين تستهدف المميزين والمتميزات ، مع ابقاء التركيز على الهندسة تحديداً لأنه النقص في المهندسين لدينا كبير جداً والبلد ماضية لتقدم سريع يحتاج إلى من ينفذه في كافة المجالات.
حتى الطب ، مجموع الأطباء السعوديين والأجانب في السعودية مازال بعيد جداً عن الميزان الذي تحتاجه البلد ، وإضافة
بالغعل لدينا افتقار في التخصصات المواكبه
لهذا العصر وما به من قضايا واحداث
وحتى لو حصل ووجدت اقسام جديده
فهي تقابل بردود غير موافقه عليه
مثلا انا طالبه اعــلام
من جامعه ام القرى
فقد افتتح القسم العام فانا من الدفعه الاولى في الاعلام
واجهتنا انتقادات حول القسم وما هيته
وهذا رابط لمقال كتبته حول الرفض الذي نجده لكون القسم البعض يراه
حرام والبعض يرى بانه ماله داعي
http://kk.maktoobblog.com/594922/(للسنه_التانيه_على_التوالي_)
فالمشكله ليست فقط في عدم وجود تخصصات عديده ومفييده انما ايضا في عدم
تقبل هذه التخصصات عند البعض ...
دمـــتي
المشكلة أن المبتعثين يدخلون تخصصات مكررة فقط لأنهم يحبونها
هنا يأتي دور وزارة التعليم العالي في تنوع البعثات والتخصصات وإن كان هناك خطأ
فهو نتج من أنه لا يوجد جدول توزيعي للوظائف المتاحة وجرد للحاجة المتاحة
والمقدار الوظيفي الشاغر إنها مشكلة وتحتاج إلى حل !
تحياتي ,,,
