أما آن للقيد أن ينكسر؟
كتبهامرام ، في 16 مارس 2006 الساعة: 00:09 ص
في كل عام تصدر الحكومة الأمريكية ممثلةً بوزارة خارجيتها العديد من التقارير حول الأوضاع في العالم، فمن التقارير التي تتحدث عن حقوق الإنسان والحريات المدنية، إلى تلك التي تتحدث عن الحريات الدينية، وأخرى عن أوضاع المرأة والمثليين والعمال والأجانب، وغيرها من التقارير. وفي معظم هذه التقارير انتقادات شديدة لمختلف دول العالم (المناوئة أو تلك المختلفة عن العالم الغربي بالطبع)، وغالباً ما نالت دولٌ مثل إيران والصين والسعودية وسوريا والعراق وليبيا ومصر وكوريا الشمالية نصيب الأسد من هذه الانتقادات. وكم من مرة هددت الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ مواقف صارمة تجاه هذه الدول ما لم تغير من سياساتها إذ (تعهدت الولايات المتحدة بأن يكون مدى احترام حقوق الإنسان مقياسا لعلاقاتها الثنائية بدول العالم (..) و جاء على لسان كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية "سنوضح أن النجاح في علاقاتنا يعتمد على معاملة (الدول الأخرى) لشعوبها." (موقع بي بي سي العربية).
والولايات المتحدة تتجاهل في تقاريرها عن عمد خصوصيات كل مجتمع، وكيف أن بعض الممارسات التي تعتبرها الثقافة الغربية انتهاكاً لحقوق الإنسان هي مثلاً في الدول الإسلامية تطبيقٌ لشرع الله تعالى. فالحدود الشرعية، والموقف من المثليين الجنسيين، وتجريم العلاقات الجنسية خارج إطار الزوجية، كلها أمور يتوافق فيها عموم أفراد المجتمع المسلم مع الحاكم.
ومع ذلك شاهدنا سفارات الولايات المتحدة وخارجيتها وبقية الجوقة يوبخون هذه الدولة أو تلك لأنها داهمت حفلاً للشواذ، أو اعتقلت عبدة الشياطين، أو حتى أوقفت على ذمة التحقيق رجلاً يشتبه في أنه يقوم بنشاطات ضارة تجاه بلاده وبتمويلات مشبوهة. فهنا تتحول أمريكا إلى نصيرة "الغلابا!"
لكن حين تدور الدوائر، وتقوم منظمات شبه مستقلة بكتابة تقارير شبه مستقلة أيضاً عن أوضاع حقوق الإنسان والحريات في دول العالم، ويرد ذكر أمريكا وما يحصل في سجونها المحلية، أو في سجونها العابرة للقارات وما وراء المحيطات، تغضب هذه الأخيرة غضباً شديداً وتشكك في التقارير، وتتهمها بالتحامل والتمييز. ولا تكلف نفسها حتى عناء محاولة التثبت من صحة هذه التقارير، خاصة إذا ما كانت تتعلق بأشهر إبداعاتها في القرن الحادي والعشرين: معتقل جوانتانامو! وجوانتانامو هذه أصلاً جزيرة مسروقة من دولة كوبا الصغيرة، حالها كحال كل أراضي هذه الدولة التي سُرقت من أهلها الأصليين بعد أن قتلهم الرجل الأبيض بأسلحته المتطورة، فتحولوا وتحول تاريخهم إلى أثر بعد عين (ما علينا).
مساء يوم الخميس 9 مارس 2006، عرضت القناة الرابعة البريطانية (آي تي في) برنامجاً وثائقياً بعنوان (الطريق إلى جوانتانامو)، تحدث عن تجربة ثلاثة شباب بريطانيين من أصل آسيوي في معتقل جوانتانامو، وذلك عن طريق إعادة تمثيل ما حصل بطريقة أقرب ما تكون إلى الواقع، وتتخلله شهادات للشبان الثلاثة الذين أطلق سراحهم بعد أن قضوا ما يقارب الثلاث سنوات في ذلك المكان المرعب. ولعله من الجدير بالذكر أن هؤلاء الثلاثة كانوا من أصحاب السوابق (وهم أحداث) في بريطانيا، وقد اعترفوا بأنهم لم يكونوا يصلون أو يمارسون الإسلام قبل أن يُقبض عليهم، وحظهم السيئ هو الذي قادهم إلى أن يكونوا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، وإلا فوجهة أحدهم الأساسية كانت باكستان للزواج. والمضحك المبكي أنه في حين اتهم أحدهم بأنه حضر تجمعاً لابن لادن في وقت ما من العام، فإنه كان يقضي عقوبة في سجن بريطاني، والسجلات البريطانية تشهد بذلك. فكيف يكون هؤلاء متطرفين إسلاميين وهم معتقلون في قضايا إجرامية وأخلاقية؟ وكيف يتواجد الإنسان في مكانين في وقت واحد في عصر ما قبل الاستنساخ البشري؟
كنت قد قرأتُ الكثير سابقاً عما يحصل في سجون باجرام وجوانتانامو وأبوغريب وغيرها من دور الضيافة الأمريكية، لكن ليس من قرأ أو سمع كمن رأى. ما يحصل في ذلك المكان من تعذيب وإذلال للمرء وتحطيم لكرامة الإنسان، أمر لا يستطيع أن يقبله أو يفهمه عقلٌ سوي، خاصة ونحن في القرن الواحد والعشرين. ماذا يعني أن تعري شخصاً وتطلق عليه الكلاب وأنت تشتمه وتسخر من خوفه وركضه وأنت تتسلى؟ وبأي حق يحرم المرء من حواسه الخمس.. أو من الوقوف أو الجلوس أو النوم أو الأكل أو الحديث؟ بل وحتى الصلاة أحياناً (حرية دينية أليس كذلك؟) وماذا يعني أن تترك إنساناً راشداً مربوطاً لساعات تحت الشمس الحارقة حتى يضطر للتبول على نفسه؟ ثم أي مصداقية لتحقيقات تنتزع فيها الاعترافات بالضرب والشتائم وبالكذب وتأليف القصص التي يخجل من أن يرويها طفل العاشرة.
واحدة من أقسى المشاهد والتي أطلقت دموعي بشكل مفاجئ، كان مشهد رمي الجندي للمصحف الشريف على الأرض، ثم حين ثار المستضعفون لدينهم دون أن يبالوا بالعذاب الذي سيأتيهم لاحقاً عاد ليركله من جديد (لا حظوا هذا برنامج بريطاني يعرض على قناة بريطانية وليس دعاية إسلامية لاستدرار العواطف).
وخلاصة القصة أنه بعد ثلاث سنوات ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الأصدقاء الثلاثة (الذي ثبتوا على رواياتهم بأنه ليس لهم علاقة بالطالبان ولا بن لادن رغم التعذيب النفسي والجسدي والجنسي والعقلي) كانوا صادقين تماماً، فأُطلق سراحهم، ودون اعتذار وعادوا من الجحيم كشهود على ما يحصل فيه.
وإذا كانت معاناة هؤلاء قد انتهت، فلا يزال المئات من أبناء المسلمين الأبرياء (وبينهم الكثير من السعوديين) معتقلين هناك في الظروف ذاتها. وهو أمرٌ أجبرني على أن أكتب هذا المقال عنهم، لعلي أساهم ولو بصورة بسيطة في تذكير الأمة والعالم بهم. فجميل أن ندافع وننظم الحملات السلمية للدفاع عن سمعة رسولنا وكرامته وشرفه أمام استهتار صحيفة حقيرة، لكنني في الوقت نفسه أعلم بأن قضية هؤلاء الشباب (الرجال) ليست بأقل أهمية منها.
قد يقول البعض، بأن ما يحصل في جوانتانامو من قبل حكومة أجنبية غير مسلمة معادية ضد أعدائها من المسلمين من غير شعبها، لا يختلف عما تقوم به بعض الحكومات العربية والمسلمة وغيرها مع شعوبهم، وأن الكثير مما يجيء في التقارير الأمريكية إياها واقعي، وهذا صحيح. بل إن ظلم ذوي القربى أشد مرارة، ولا يعني انتقادي لسياسات الحكومة الأمريكية موافقتي على انتهاك حقوق الأكراد من قبل نظام الرئيس العراقي السابق، أو جرائم الجيش الصيني في إقليم التبت، أو غيرها. ولكن مشكلتنا مع أمريكا أنها نصبت نفسها قاضياً وجلاداً وحاكمة بأمرها، وأخذت تسأل الناس أن ينظفوا بيوتهم، والويل لهم إن لم يفعلوا.. بينما بيتها لا يقل قذارة..بل في حالات بعينها قد تكون الروائح المنبعثة منه أشد نتانة.
إنها عودة إلى الحكمة العظيمة "لا تنه عن خلق وتأتي مثله …عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ"، ولذلك فأنا أتمنى لو تتوقف دول العالم عن عمل حساب لأمريكا، وللصورة التي تكونها عن بلادهم، وبالتالي رفض تدخلاتها السمجة، لأنه أيعقل أن نستمع لمحاضرة تلقيها غانية عن العفة؟ أو نبالي بحديث سارق عن الأمانة؟ بل لعله حان الوقت لتبدأ دول العالم بمحاسبة أمريكا والضغط باتجاه إغلاق المعتقلات الشيطانية.. وللأبد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسي-إسلامي | السمات:سياسي-إسلامي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 8th, 2007 at 8 سبتمبر 2007 1:39 م
نبارك لمن خرج ونسال الله اللطف والمعونه لمن يرزح هناك
سيعاقب التاريخ وبدون رحمه
الدول التي تخلت عن أبنائها المظلومين
وسيعاقب التاريخ من أخطؤ ا في حساباتهم
وسيعاقب التاريخ من دسوا رؤسهم في الوحل
بوركت الأنامل التي علقت الجرس على هذا الموضوع
وهذا المشاركه بمناسبة من خرج قريبا