كيف وأين ومتى ولماذا..فقدناه؟!

كتبهامرام ، في 23 فبراير 2006 الساعة: 00:03 ص

من الأمور التي تُحسب للدول التي تتمتع بحرية تعبير حقيقية للجميع، أن أصحاب الديانات والدعاة يستطيعون (غالباً) أن يمارسوا مهامهم التي نذروا أنفسهم لها بحرية، ما دامت وسيلتهم هي الحجة والمنطق والإقناع، وما داموا لا يقومون بأي عمل مخالف للقانون. ولذلك فمن الطبيعي أن يكون في كل الجامعات البريطانية تقريباً العديد من الجمعيات الطلابية الدينية المختلفة مثل المسيحية (بمذاهبها المختلفة)، الإسلامية، اليهودية، البوذية، الهندوسية، السيخية وغيرها. ولعل أنشط الجمعيات والتي تتنافس على الدوام (وتتعاون أحيانا) لاجتذاب أكبر عدد من الطالبات والطلبة لأنشطتها (ودينها)، هما الجمعيتان الإسلامية والمسيحية، والأسباب معروفة بالطبع.
في الأسبوع ما قبل الماضي، نظمت الجمعية الإسلامية في جامعتي أسبوعاً للتوعية الإسلامية، وقد بدأ التحضير له مبكراً، قبل الحدث بثلاثة أشهر، وأُُنشئت لجان مختلفة تتولى كل منها مسؤولية معينة مثل اختيار المتحدثين، الإعلام، المطبوعات الدعوية..إلخ، وكان من الواضح حماسة الجميع ورغبتهم في أن إنجاح الحدث ونجاحه يقاس عادة بعدد الذين يحضرونه من غير المسلمين، وبسير الأمور كما هو مرتب لها دون خلل أو مشكلات.
ومع أن التوقعات كانت عالية، والآمال كانت كبيرة، إلا أن الكثير من خيبات الأمل كانت بالانتظار في هذا الأسبوع، وكلها أخطاء بشرية كان بالإمكان تفاديها بقليل من الاهتمام والتنظيم. فمثلاً تأخرت طباعة المنشورات الدعائية حتى صباح اليوم الثاني من البرنامج، وهي التي كان ينبغي أن تكون جاهزة قبل ذلك بأسبوع أو بضعة أيام على الأقل. ولم تبدأ أي محاضرة في وقتها، لأن المتحدث تأخر، أو ضاع بسبب سوء الوصف، وعدم وجود من يستقبله، أو لأن الإخوة والأخوات الموجودين في القاعة لا يعرفون كيف يشغلون نظام المايكرفون ومكبرات الصوت ومن يعرف لم يأت. وتأخر الطعام (المصاحب للمحاضرة) بعض الوقت في بعض الأيام، ولم يعمل جهاز الفيديو الذي كان يفترض أن يقدم النقد الإسلامي لنظرية النشوء والتطور بعد أن امتلأت القاعة بعشرات الطلبة غير المسلمين ممن يقتنعون بأفكار دارون! وهكذا شعرنا ببعض الخيبة لأننا كنا نتوقع (نظراً للاستعداد المبكر) بأن الأمور ستكون فوق العادة، فإذا الحضور قليل، والحضور غير الإسلامي شبه معدوم في معظم المحاضرات.
ثم حل أسبوع التوعية المسيحية، بعد أسبوعنا مباشرة، وهنا كانت لدينا فرصة لنقارن عمل هذه المجموعه بعملنا، وحقيقة فوجئت! كان من الواضح الاحترافية والالتزام في كل ما قاموا به.
نعم لا يجب أن ننسى أن هذه جمعية مسيحية في بلد مسيحي، ولا يوجد مقارنة بين عدد المنتمين لهذه الديانة أو تلك لا خارج الجامعة ولا داخلها. وصحيح أن هذه الجمعيات مدعومة من جهات عدة، فالمال لا يشكل عقبة لهم، وبالتالي فكل شيء ابتداء من القمصان التي ارتدوها خلال الأسبوع، مرورا بصفحتهم على الإنترنت، وصولا إلى مطبوعاتهم، قد تمت بأيدي اختصاصين كل في مجاله، فجاءت أقرب إلى دعايات كبريات الشركات التجارية. بينما فعلنا نحن المستحيل لنقتصد في المصاريف، فطبعنا الشعار على قمصان رخيصة في المنزل، وطبعنا معظم المنشورات المتعلقة بالجدول الأسبوعي على ورق أبيض وأسود، وأقامت بعض الأخوات يوماً لبيع الكعك المنزلي خصصن ريعه لتغطية نفقات الأسبوع الكثيرة.
وأيضا لا ننسى أن أعضاء الجمعية المسيحية يعملون دون خوف، بينما تعج صدور أعضاء الجمعية الإسلامية بالعديد من المخاوف. منها مخاوف محلية بأن يتم وصمهم وتأطيرهم بأنهم (إسلاميون) فيتجنبهم زملاؤهم أو تراقبهم الجامعة أو الحكومة البريطانية. فقد نجح الإعلام الغربي في جعل المسلمين يحسون بأنهم أقلية مشبوهة، وتحت المجهر، فأصبح البعض يشعر بأنه متهم حتى تثبت براءته.
ومنها مخاوف أخرى من الخارج من حكومات بلدانهم الأصلية، التي ربما بعضها لا تعجبها هذه النشاطات التي لا تهدف في حقيقتها إلا إلى إيصال الرسالة المحمدية(الأمانة)، وتحسين صورة الدين الحنيف خاصة بعد أن اختطفته زمرة آثمة هنا أو هناك.
أقول وبعد أن أعطيتُ لأنفسنا كل هذه الأعذار، وجدتُ أنه مازالت بيننا وبين الجمعية الأخرى عوامل مشتركة، وأمور كان يمكن أن ننافسهم أو نتفوق عليهم فيها. فمثلاً نحن نتردد ونخجل ونحن نعطي الناس برنامج الأسبوع، ونتضايق إذا رده أحد، ونحاول أن نعطيه لهم دون تفاعل، بينما يوزع الآخرون جدول أسبوعهم وهم يبتسمون، وينظرون في عيون الآخرين بحب وتواصل فردي مع الشخص الذي أمامهم.
حين حضرنا احتفال يومهم الأخير، فوجئنا بأن هناك أشخاصاً محددين يراقبون أي مجموعة جديدة تدخل، فيهرعون إليها مبتسمين ويرحبون قبل أن ينادوا لنا شخصاً بعينه ليهتم بنا. وهكذا فقد خصصوا شخصاً لكل شخصين أو ثلاثة تقريباً ليتحدثوا معهم ويرحبوا بهم، وهذا يعني أن عندهم وفرة بشرية. فقد جاءهم بعض الطلبة الخريجين والخريجات من أقصى أطراف بريطانيا ليشاركوا في الدعوة إلى دينهم، بينما في حالتنا نحن، فحتى أعضاء الجمعية نفسها لم يظهروا في بعض الأحيان! بل حتى بعض أعضاء المنظمين للحدث نفسه اختفوا عن بعض الأحداث بحجة الصلاة! ولا أعرف أي صلاة هذه التي تستغرق ساعة، وأنت لديك عمل مكلف به وهو عمل ديني بالأساس. كأن كل واحد كان يقول أنا عملت الجزء الخاص بي وليس من واجبي أن أخرج لأدعو المزيد من الناس لحضور المحاضرة كما يفعل الآخرون. كانت هناك هذه العادة السيئة من تبادل الاتهامات ورمي الأدوار والأعباء على الغير، وبالطبع فهذه أمور تصيب أي عمل جماعي في مقتل.
حين كنت أراقب بخيبة أمل آخر أيام التوعية المسيحية، وأنا أرى النجاح الباهر الذي حققه، كنت أحاول جاهدة أن أبحث عن عبارة تصف ما أدى إلى ذلك بأقل الكلمات: فجاءتني مسرعة عبارة " الإخلاص وحب العمل"!
أجل لقد افتقدنا الإخلاص، في أمور حياتنا للأسف كمسلمين، فابتداء من صلاتنا التي فقدت لدى البعض كثيرا من الخشوع الذي يهذب الأرواح وينهى عن الفحشاء والمنكر، مروراً بعلاقتنا الإنسانية، وصولاً إلى أعمالنا ووظائفنا. بل حتى في لعبنا ورياضتنا لو بحثنا عن السبب الذي جعلنا نخسر تلك الخسائر الجبارة سنجد أن السبب ليس قوة الفريق المنافس بقدر ما هو تكاسل كل فرد في الفريق من تقديم أفضل ما عنده من كل قلبه.
بالأمس شعرت بالجوع وأنا في المدينة وكان ثمة محل حلال للوجبات السريعة مقابل للمطاعم الأمريكية الشهيرة، ذهبت واشتريت منه، وحين بدأت بأكل طعامي في المنزل كدت أغص به، فطعامي كان يمكن أن يوضع في محل للعلب البلاستيكية باعتباره يشبه الطعام الحقيقي لكنه ليس كذلك في الواقع. أفلم يستطع ذلك العامل في المطعم أن يخلص في عمله ويقدم لنا طعاماً طيباً وهو يعلم أن معظم زبائنه من المسلمين؟
المشكلة ليست في ديننا، بل العكس فالحل فيه والعيب فينا. فأي دين هذا غير الإسلام الذي يأمر الإنسان بإخلاص النية في كل أمر، ويحث المرء على الإجادة في عمله ما استطاع؟
أعتقد أن الكثير من مشكلاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية و الرياضية والحضارية بوجه عام، يكمن حل جزء كبير منها في قوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل منكم عملاً فليتقنه). وأعتقد أن حب الرسول الحقيقي يكمن في اتباع توجيهاته التي هي بالأساس وحي آلهي، عندها سننتصر في سباق الحضارة من جديد، وعندها نكون خير أمة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسي-إسلامي, مقالات عامة | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “كيف وأين ومتى ولماذا..فقدناه؟!”

  1. على العقل أن يتبصّر دائما بما يحدث من أمور.؟

    (دفاعا عن مسيحيي الشرق- قراءة مُبَسطة)

    دمشق – الصوفانية- موطن البسطاء الشرفاء أعيدوه لأصحابه ؟

    عام 1982 وفي ذروة الأزمة اللبنانية والإحتقان بين الطوائف، بما رافق ذلك من تهديد لوجود بعضها، نقلت جريدة الشرق اللبنانية لصاحبها عوني الكعكي نبأ ملفقا أوردته على صفحتها الأولى عن حدوث ظاهرة غريبة لعائلة مسيحية تقطن دمشق (زيت عجائبي، وشفاء جماعي للأمراض المستعصية،مقرونة برسائل إلهية)، وذلك نقلا عن من زارها ومنهن راقصة شرقية من أصل أمريكي تدعى (تامارا)، وتلقف الخبر بشغف حينها تلقائيا جمهور عريض خائف مُحبط، علّ أن تنقذه العناية الإلهية من مصابه.

    ومع أن مزاعم ما قد حدث، كان يتعلق بعائلة أورثوذكسية مغمورة، إلا أن من تلقف هذه المزاعم وتبناها، وسعى لإكساء الإهاب على خرافة أحداثها لجعلها مقبولة من العقل، كانت البعثات الكاثوليكية وإرسالياتها (العازاريين ومتفرعاتهم مثلا)، وحاولت الكنيسة الأورثوذكسية احتواء ما روّج له، إلا أنها على ما يبدو لم تفلح بذلك، ومع أن الكنائس الشرقية بما فيها الكاثوليكية ورأس الكنيسة الكاثوليكية في روما، لم يقروا بصحة ما حدث، إلا أن ما روّج عنه من زعم ملفق قد استمر في أكاذيبه إلى الآن دون رادع، فاستفحل، حتى بات يشكل مصدر إزعاج وقلق لكل المؤمنين.

    وقد أكدت على نفي قاطع لما قد أشاعته الصحيفة المذكورة وغيرها: امرأة جليلة ذات قدر واحترام، قدمت حينها من دمشق، وأضافت بأن العروس المعنية الملقبة بميرنا، كان ينتابها حالات غيبوبة يصاحبها تخشب في جسدها في إشارة واضحة إلى مرض نفسي كان يعتريها، وكانت هذه المرأة الصادقة الواعية تسكن قريبا من سكن بيت العائلة موضوع الحدث وعارفة بها وبسلوكياتها البعيدة عن الإيمان، هذه العائلة الفقبرة، التي كانت قد سكنت وقتها حي الصوفانية المسيحي المجاور لقبور الصحابة والأولياء الأطهار ولمقام العارف بالله الشيخ رسلان.

    ومع ذلك فإن كتبا مغرضة لا صِحّة ولا مصداقية لها قد ألفت حول موضوع هذا الزعم، كما أن من التفّ حول هذا الزعم من أشخاص، كانوا دائما مثار شك وريبة من عارفيهم في مناطقهم، أكان هذا في سلوكهم أو أنشطتهم ، وهؤلاء على ما يبدو قد تحصّنوا في ما بعد ضمن دوائر نفوذ، تحميهم وتستخدمهم هذه لتنفيذ أدوار خبيثة مختلفة على صعيد المنطقة منها: إرهاب المؤمنين والتحريض على الفتنة، وقد فشل هؤلاء حتى الآن بتنفيذ ما أعدوا له، وذلك بعد أن تنبه لأدوارهم المريبة أصحاب الإيمان وأحبطوا مسعاهم، فليس لمسيحي الشرق إذن علاقة بما يذهب إليه هؤلاء وأمثالهم وبما يمارسونه من أفعال، فرغم كل المحاولات قد فشلوا، وذهبت تخرصاتهم السابقة بكل أنواع ضجيجها، ولم يبق منها رغم السخاء الدعائي إلا ما هو مثير لسخرية أصحاب العقل والإيمان.

    إذ أن كل ما أعلن عنه بين الناس، أكان في الكتب أوالنشرات أو وسائل الإعلام المرأي والمسموع كان مفضوحا ولا صحة له ولم يصدقه أحد حقيقة.

    فليس هنالك ما يشير إلى حضور سماوي كما يذهب إليه أصحاب الحدث، إن كان هذا بما يزعمونه على أنها سِماتٍ (جراحات) تضرب جسدها، وهي أمور نفسية معروفة لدى أتباع الديانات الخلاصية أو بما يزعمونه عن الرسائل البدائية المغلوطة مضمونا ولغة المرسلة من السماء، فمسيحية دمشق التي انطلقت إلى العالم في مزاوجة مذهلة وخارقة بين محدودية الفكر البشري والمنطق الإلهي، كما هو بيّن في أعمال المبشرين الأول عند مسحهم لأرض الواقع والعيش فيه للإرتقاء به، مبشرين بالمسيح المخلص، لا حاجة لها - أي المسيحية - لهذه الضحالة المضحكة المبكية في آن، فالمسيحية لم تنتشر، ولم ترسّخ عقائدها بقوة الخرافة والأباطيل، وإنما بقوة الحق.

    كما يفضي ما تمّ الترويج له من مزاعم: إلى إزاحة للطوائف التاريخية الوطنية بمؤمنيها كمرجعية والحلول مكانها، بما يعنيه هذا من نسف لأسس الإيمان القويم، وذلك من خلال تثبيت مفارقة لاهوتية ترتكز عليها هذه المزاعم، لايمكن السكوت عنها لتناقضها مع تعاليم اللاهوت الكنسي، لما يخص مسألتي اللاهوت والناسوت، وأن استمرار إثارتها بعرضها على هذا الشكل الهزلي المصور، هو إصرار على الهرطقة والكفر، بما لا يخدم مسيحي الشرق ولا الإسلام،

    فالمسيحية تقر بأن الظهور الإلهي، قد تمّ بالتجسد الإلهي للمسيح بن مريم عندما بشّر الملاك جبرائيل مريم العذراء، وفي حضور المسيح الزمني في حياته وموته وقيامته إلى ارتفاعه للسماء والحضور القدسي على الرسل حسب الوعد الإلهي، وهذا التجسد الإلهي بما أنعم على الجنس البشري من حضور بالتأنس، قد تمّ مرة واحدة وإلى الأبد، هذا الذي ثبته قانون الإيمان، وهذا ما يعتقد به أيضا الإسلام عندما نصّت رسالته بأن المسيح من روح الله، وفي هذا بحث يطول.

    فالسيد المسيح بمجده لا يخضع إلى أهواء ومزاجية كائن بشري يستحضر شخصه بمناسبة أو دون مناسبة متى شاء بحضور مصفقين، بما يعنيه هذا التصرف من استهتار ومسّ يتناول قدس العقائد المسيحية بشكل مهين.

    وهنا يستحسن أن نفرّق منعا للإلتباس: بين التهيؤات البشرية والرؤى الإلهية بعيدا عن قدسية مسألة الظهور الإلهي، فالرؤى الإلهية وإن كان يشوب تكوينها الرؤوي الناسوت الإنساني البشري، حتى في حالة تساميه، إلا أنها حتى بحالتها هذه مشروط حدوثها للمؤمن باستعداد طويل لها، يقوم على الصلاة والصوم، وتولّد حالة ذهنية عنده تتسامى عن الوجود، لتدخل في الإختيار الإلهي، وهذه حالة فردية يراها الرائي وحده، أما ما يسمى بالظهور العلني الواضح على جماعة من الرائين، إنما يحدث هذا في ظروف معينة استثنائية وفي حالة مشاركة إيمانية مستقطبة بين أفراد، يتولد لديهم عقل جمعي يتفق بإرادة إيمانبة على الرؤيا، تمكنهم من الرؤيا الموحدة لنورانية قدس المراد رؤيته.

    وعلى هذا لا يجوز الخلط وتسليم أمر اللاهوت المسيحي إلى أفراد من العابثين المتكسبين، ليقولوا فيه ما يشاؤون خدمة لأغراضهم، كما إن الإستمرار بهذه اللعبة من قبل القائمين بها بغض النظر عن مردودها المالي والنفعي لهم (وقد جمعوا الكثير)، إنما يسيء إلى مسيحيي الشرق واحترامهم بين أبناء الطوائف والمذاهب الأخرى المشاركة لهم بالوطن: وذلك بإخراجهم مما عرفوا به من منطق العقل المرتقي الى الإختيار الإلهي وتدبيره: وإلى إدخالهم في دائرة الشك والامتهان من خلال إلباسهم غيبيات السحرة والمشعوذين وأمور الخفة والكذب والتدجيل الموسومة بالإحتقار. بما يوجب وضع الحد على هؤلاء لإيقاف استمرار أفعالهم الضالة.

    كما يجدر التنبيه إلى أن هذا الموضوع، بما يتمظهرعليه من استعراض كاذب فظ، وبما ينطوي عليه من فعل تحريضي، يتضاد مع الآخرين، إنما يهيء إلى فتنة بين المسيحيين وبين سكان المنطقة، وهذه أمور تتوافق تماما في مقاصدها مع ما يهئ لأهل المنطقة من مخططات فتنوية وحروب طائفية، تنتهي بتهجير مسيحي الشرق، كما حدث مؤخرا مع كلدان العراق وغيرهم.

    أيها الأخوة يرجى التكاتف لمساعدة بعضنا بعضا

    لكم كل محبة واحترام.

    افرام السرياني

  2. اهتداءاتُ إبنِ آيا الدِمَشقي ( 8 )

    المَعْرِفَة؟؟

    (سليم نقولا محسن)

    يقولُ إبنُ آيا:

    بَينَ الشوقِ والشوقِ عبورٌ ؟ لغةٌ تسطَعُ وإدهاشُ

    الجَسَدُ مُختطفٌ، وما يَكتمُ القلبُ في العينينِ يُباحُ ؟

    خمرَةٌ يَعِبُّ مِنها أهلُ الحَيّ كلهم،

    فالبَعضُ مِن جورِها يَحترِقُ، وحالُ البَعضِ سكران

    تلملمُ الرَقصَ حين ترفُّ على الدرب،

    الكونُ صدىً، واللونُ وهّاجُ،

    وجودٌ يُختزَلُ بها، وَصَمْتُ العِشقِ فضّاحُ ؟

    يقولُ إبنُ آيا:

    على حَذر ٍأدنو منها لأسألَها ؟

    فيفيضُ الوجهُ في أماسي الوَجدِ هياما،

    وأحياناً يَصرخُ لهفاً نزقاً في الصباحات،

    فلا أعرف أطيب الحب يغمرها؟!

    أم زهدٌ صَاخِبٌ بالحِقدِ، يَتلذذُ الَقتلَ بلا سَببِ ؟!

    مَجنونةٌ أيامُ العشقِ سَيدتي، والقدرُ مَجنونُ

    يُملي علينا رَسائله، والظن أننا ننقاد،

    عالمُ الحبِّ في أيامِ العشقِ أحلى، والحبُّ فيها أكبرُ

    من غِنى مالٍ أو َمِن جَمالٍ،

    وحتى من سَطوَة السُلطانِ

    فلا تسألي لماذا يَشغلُ طيفٌ جامحٌ خَيالَكِ،

    ولماذا يَسكنُ مُجونكِ الأبدي وجودي،

    ولماذا نعيشُ عالماً ملتهباً في زمَنِ الجُمودِ

    ولماذا أرى حقولَ أيار ورداً يَكتسي من وجهكِ الحبيبِ

    ولماذا أسمَعُ على المسافاتِ ضِحكةَ القمرِ بصوتِكِ الغريدِ؟؟

    فأنا الإبنُ الذي في الحُب أنجَبتِهِ

    وأنا الذي كَبرَ فيك سيدتي، وصَارَ رَجُلاً،

    وصَارَ الوَحيدُ المُشتهى في لُعَبِ الجَسَدِ،

    لا تسألي، ولا تعجبي !! فأنا مَن كان في البداية يَعرِفكِ

    وأول مَن أحَبَك وأول مَن وَعَدتِ

    قبل أن يَرتفعَ النجمُ، وقبلَ احتفالات السُقوطِ؟؟

    يقولُ إبنُ آيا:

    شددتُ الركابَ إلى منازلِ النجومِ

    إلى أرضِ الذهبِ إلى إشراقةِ النورِ

    إلى مصرَ..

    وكانت مِصرُ غرقى في الثراء،

    آمنةٌ في مهابة النيل ..

    لألقى فرعون على عرشِ بلاطِه،

    يَغرفُ مِنَ العَقلِ حِكمَ زمانِه..

    اهتداءات تروي،

    مِن ماضٍ حاضرٍ ومِن زمَنٍ آتي

    كيفَ ارتمَت !؟؟

    أمام البدوي الآتي من آرام،

    صبايا الحُبّ وغانيات المَعابد

    وكيفَ ارتقت؟

    على مدارجِ العَرشِ فحولةُ الرجالِ

    كيف تعالى صاحِبُ الحُسنِ إلى مواطئ السَحاب؟

    كيف ألغيت الرموز والأفكار؟

    وكيف تحوَلت؟

    منذ يباس النخيل، وافتقار واحات العرب

    منذ بلاء الضرباتِ العشرِ، وخراب وادي الذهب..

    يقولُ إبنُ آيا:

    على وقعِ الغزوِ

    واختلاط الأمور بَينَ سَيدٍ جائرٍ ومحكومِ

    سقطت الأنثى مِن زهرَة النجوم،

    تحَولت الجُموعُ إلى قطيع،

    وأصبحَ الجزارُ عند الفجرِ راعياً

    وأولاد الزهراء في البرية رعية؟

    يقولُ إبنُ آيا:

    منذ بيعَ الصَبيُ بثلاثين مِن فِضةِ الغُرَباءِ

    خافت النساءُ الذئابَ

    وافتقدَ النظرَ شيخُ القبيلة

    راحيلُ بَكت أبناءَها،

    واختطَ شعبُ التيهِ مساراً بينَ المَمالك ؟؟

    سليم نقولا محسن

  3. إهْتِداءَاتُ إبْنِ آيَا الدِمَشْقِي.. (9)

    سليم نقولا محسن

    SALIM NICOLAS MOHSEN

    ADR: SOUFANIEH - DAMAS

    الإهْتِداء

    * أنتِ مَدينَتي وإدْمَاني وَوَجْه الصَباحِ

    مَليحَة أنتِ مِضيافة، وأجمَلُ في المَساءِ

    حواريكِ الحبلى، فَضَاءُ العِتقِ

    فمَن سَمِعَ: أنَّ للعِتقِ عَزفٌ

    وأنَ له تَأنقُ السِحرِ المُباحِ ؟

    * الوَعْدُ يَسْألُني كُلَما أذَّنَ العَصْرُ

    عَن ليْلى وَمَرْيَم وَعَنْ سَلْوى ذاتِ الوجوه،

    ورابِعَة أسْمَيْتُها خَمْرَةَ المِلاحِ

    * لي حِسانٌ في المَواسِمِ رَشاقات السَنابِلِ

    يَخْطُرْنَ عَنَاقيداً في التَشارينِ

    ودفءاً في بَرْدِ الكَوانين

    وضوعَ عِطرٍ مِن زهْرِ نَوّار

    وفي الصَيْفِ هَمْسَ فُلٍّ ويَاسَمينٍ،

    وأخرَيَاتٍ صَبايا في لُطفِ اليَمامِ

    * تَعَالي يا ابْنَةَ البَحْرِ، يا ذَهَبيَةَ الوجْهِ،

    في غُربَتي؟ سَافَرْتُ إلى مَعَابِرِ الوَجْدِ

    تَعَلمْتُ لُغةَ النَجْمِ ..

    وعَلى إيقاعِ خَلاخيلٍ مُرْفَلَةٍ بِمَيامِرِ الذِكْرِ:

    قرأتُ التكوينَ عن ظَهْرِ قلب

    * منذُ أن أرْضَعَ الحُبُّ طُفولَتي

    بَيْنَ صُدورِ الصَبايا تَنَقَلْتُ وَكَبرت

    تَحْتَ أسْقُفِ النِسْاء المُتْعَبات سَكَنْتُ

    وَرِثْتُ طُقُوسَ العِبَادَة: المَوتَ والحَمْلَ والولادَة

    ووقفتُ حائراً أمامَ صراخ الأضاحي

    خاشِعاً أمامَ مَذابِحِ النَحْرِ

    مُنْتَشياً بِقسَوة الفِعْلِ، هيّاباً من سَطوةِ النَهْدِ

    وتَساءَلت:

    كيْفَ يَعِمّ البخورُ الطُقوسَ

    مُصَعِّداً ظِلاله في كلِ أرض

    يَبيحُ قَتْلَ الجَسَد، يُقَدِّسُ إهْراقات الذكَرِ لدَمِ الذَكَر

    الأخُ يَحِلُّ دَمَ أخيهِ، والإبنُ يَقتلُ أبَاهُ

    والأمُ مخنوقة النَحيبِ،

    والأبُ أصمٌّ، مَغلول اليَدَينِ مَقطوع اللسان

    * لم أسْمَع في الأسْرارِ امرأةً تَنُوحُ

    بل رَأيْتٌ فَرَحاً هازجاً يَتَجَدَدُ في الدُموع

    إحتوَتْني الرُمُوزُ وغبْتُ مَأخوذاً إلى مَعارِجِ العُبُور

    ولم أزلْ أصْحو كلَّ يَومٍ على وَليدٍ

    وعلى نَسْلٍ جَديدٍ يَكثرُ كحَبات الرملِ، وقُربانٍ جَديدٍ،

    فالإبْن لمْ يَصْعَد بِذاتِه إلى العٌلى،

    بَلْ فارَقَ الأرضَ إلى أنثى البِدايَة؟!

    * تعالي يا بُعْداً مِنَ الأمْسِ

    يُتَوّجُني، يَحْرِقُني، ثمّ يُحييني

    أسألكِ إن تَهَيّبتِ في تدمر مَشْهَدَ اللاتِ تحْتَ القمَر

    إن تَعَبَّدْتِ أمامَ جِدارياتِ الطينِ والحَجَر

    أو تَصَفَحْتِ ألواحَ الرِسالاتِ لبَلقيس في أطيافٍ عَدَن

    فالحُبُ يَتَناسَلُ ووجهكِ تَجَلياتٍ

    لراحاب أريحا، وزيْنَب بِلاد الشام وعَشْتار

    فأي التَجَلياتِ أنْتِ

    الحبُ يَمْتَشِقُ سُفُناً مُبحِرةً، ويَطأُ أرضاً خَصيْبَةً

    فأي الآلهة أنْتِ؟

    أليْسَار العَظيمَة في قرْطاج

    وابنها من تَوَهّجِ المَجدِ،

    يَغتَسِلُ في دموعِ المَجْدَلية.

    * أختَصِرُ القولَ

    لأكشفَ المَسْتورَ عن أسْفارِكِ القُدْسية:

    أنني في كُلِّ العُصورِ خُصيتُ

    وفي كلِ العُهودِ جُلٍدْتُ

    وأنا رَجُلُكِ وبَطلٌ إلهيٌ يَدخلُ رَحْمَكِ

    أنا المَلكُ كَما وِعِدْتُ يَومَ وِلِِدْتُ

    ذَبيْحَةٌ هي مِنْكِ أقَدِمُها إليكِ

    ذَبيحةُ سَلامٍ أبَدية

    * تعالي:

    الدُنْيا مَطر، لا تَخْتَبِئي

    واصِلي الفرَحَ على إيقاعِ المَطر

    فالمَطَرُ يُدهِشُني، يُنعِشُني

    يَغْسِلُ قَحْطي وَجُنوني

    المَطرُ يَتَعَشَقُ جَبينَكِ

    فَيَرْتَسِمُ الألَق

    يَتَرَقْرَقُ مِن شَعْرِكِ

    حَبّاتٍ مِن ضَوءِ القَمَر

    أو مَطراً كَحَبَائِبِ الذَهَب

    وأنْتِ كَما أنتِ

    بَهاؤكِ مَطر !!؟

    بَيْروت المَدَى أيْنَ الضِفافِ

    فمِنِ الضِفافِ إلى ما وَراءِ الضِفافِ مَطر

    مَعْبُودَتي: كَم هي يَبْاسٌ عَذراءُ الجنانِ

    وأنْتِ المَطر

    أنْسَيْتِني مَريمَ وأخواتِها وبلادَ مَريَم

    الله..! لم أرَ أجمَلَ مِنْ وَجْهِكِ وَجْهاً يُبَلِلُهُ المَطَر .

    سليم نقولا محسن



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر