حوار مع "إنجليزي"..حول قضيتنا مع الدانمارك

كتبهامرام ، في 8 فبراير 2006 الساعة: 23:56 م

كنت لا أزال أعيش حالة من الدهشة حتى الأيام القليلة الماضية بسبب غياب قضية الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، والتي تحولت إلى أزمة سياسية واقتصادية دولية، عن التغطية الإعلامية في بلد هو (أبو الإعلام) وعاصمته (أم المظاهرات) مثل بريطانيا. جاءتني اتصالات واستفسارات من الوطن الغالي تسألني عن الأخبار، فقلت تجاهل غريب! حتى اتحاد الطلبة المسلمين في بريطانيا، لم يحرك ساكناً بينما أثار قبلها بأسابيع وبشدة قضية منع (النقاب) في جامعة " إمبريال كوليج" في لندن. مما جعلني أشعر بنوع من الغيظ، لأنه لا يعقل أن يكون النقاب (مع احترامي له) وهو أمر مختلف فيه بين العلماء أساساً أهم من كرامة رسولنا الحبيب عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم. ثم فهمت بأنهم ربما لا يريدون أن يعطوا الموضوع أكبر من حجمه خصوصاً وأن القضية لم تثر في هذا البلد، فلم يريدوا إعادة فيلم سلمان رشدي الممل.
فجأة تضخمت القضية بإعادة صحف دول أوروبية عديدة نشر تلك الرسوم الحقيرة، وهنا اضطر الإعلام البريطاني، للحديث عن القضية، فأفردت كبريات الصحف الإنجليزية افتتحياتها للحديث عن مبدأي الحرية الإعلامية واحترام الثقافات والأديان. وفجأة صرنا كمسلمين ومسلمات في موضع السؤال عن رأينا فيما يجري من قبل الناس هنا.
شخصياً واجهت هذا السؤال من أحد زملائي في المكتب الذي علق قائلاً: " صحيح ..لقد تابعت على الأخبار قضية المسلمين مع الدانمارك ما رأيكِ فيما جرى؟". أخبرته بأنني غاضبة وبأنني كتبت مقالاً في صحيفة سعودية مشجعة على المقاطعة، وسألته عن رأيه الشخصي. قال لي بأنه يعتقد أنه حماقة أن يتم هذا التصعيد العالمي، وهذا التوتر السياسي على قضية رسوم، التي بعضها سخيف والآخر مضحك. ثم قال بأنه لا يجد حرجاً في أن يشتم أحد المسيح أو يرسمه ويستهزئ به. بل ذكرني بأن" دان براون"، مؤلف رواية شيفرة دافنشي الشهيرة، وواحد من الُكّتاب الأكثر مبيعاً في العالم الغربي، بالغ بشدة في الإساءة للمسيح عليه السلام، وللديانة المسيحية بشكل غير مسبوق، ومع ذلك لم يغضب منه الناس إلى درجة أن يتظاهروا ضده أو يحرقوا صوره!
عقبت قائلةً بأنه هنا يأتي تفهم اختلاف الثقافات والحضارات والشعوب. فبالنسبة للمسلمين، الإساءة لأي نبي (ناهيك عن نبي الرسالة)، جرم لا يغتفر، لا نقبله من أنفسنا ولا من غيرنا. وبما أننا تعلمنا واتفقنا معكم بأن حريتي تنتهي عندما تؤذي الآخرين، فإننا نقولها لكم بصوت واضح، حريتكم هذه غير مقبولة، فهناك دائما خطوط حمر. وذكرته بأنه في ذات الدول التي نشرت الرسوم أو أعادت نشرها، لا يمكنها أن تتقبل شتم اليهود أو التشكيك في المحرقة النازية. بل وحتى في بريطانيا، فإنه لا يمكنني أن أصرح علناً في الجامعة أو في وسيلة إعلامية، بأي تصريح معاد أو مهين للمثليين جنسياً، حتى لو كان هذا ضد عقيدتي. وهنا نأتي لمشكلتنا مع النفاق الغربي، ومعاييره المزدوجة، في قضايا الإعلام والحرية والديمقراطية. وحدثته عن منع بعض كتب الشيخ القرضاوي الإسلامية في فرنسا، بينما تفسح كتب سلمان رشدي.
وقبل أن أكمل كان زميلي قد علق مقاطعاً:" في كل ما ذكرته لا أجد أن الدنمارك منافقة أو مزدوجة المعايير، فكل أمثلتك عن دول أخرى من أمريكا وفرنسا وحتى بريطانيا، فأين الدنمارك هنا؟ وبالمناسبة ماذا تعنين بالغرب؟ لا يوجد شيء اسمه الغرب! أنا إنجليزي وأكره الفرنسيين وبيننا وبينهم ثارات تاريخية، كما أنني لا أطيق الأمريكيين ولا أتحمل سماع لهجتهم، ونظرتي لهم بأنهم باستثناء سكان (كاليفورنيا ونيويورك وبعض ولايات الشمال) مزارعون وقرويون وحمقى لا يدرون شيئا عن الدنيا. ومعظم الأوروبيين يكرهون الألمان، والإسبان يكرهون البريطانيين. بل وأزيدك شعراً بأن الإسكتلنديين (وهم مواطنو المملكة المتحدة) وكذلك الأيرلنديين والولزيين يكرهون الإنجليز أكثر من أي شيء في العالم، فكيف تضعوننا في سلة واحدة بلفظة الغربيين؟ ثم لماذا عندكم هذا التصور بأننا ضدكم فقط؟ هذه سياسة، ونحن لدينا أحيانا مشكلات مع الأرجنتين والهند والصين، ومع الرئيس الإفريقي (موغابي)، وكل هؤلاء ليسوا مسلمين؟!
انتظرته لينتهي بعد أن أصبح النقاش حامياً، وقلت له، أنا أعرف ذلك، لكن الكثيرين لا يعرفون. ثم ألا ينطبق هذا الوضع عليكم أنتم أيضاً؟ فالإعلام "الغربي" قد نجح في أن يجعل مجتمعاته ترى في كل مسلم مشروعا إرهابيا، وكل رجل مسلم (عربي، باكستاني، إفريقي) هو أسامة بن لادن الحالم بتدمير قيم الحضارة الغربية! إن الناس في العالم الإسلامي، تشعر بالغضب حيال العالم الغربي، الذي ينتقد كل شيء في حياتنا وأسلوب معيشتنا، ثم يغضب من تدخلنا في أسلوب حياته وإعلامه قائلاً هذه حرية وقوانين داخليه. وذكرت له تهديد الاتحاد الأوروبي بشكوى السعودية لمنظمة التجارة العالمية لأن الشعب السعودي يقاطع منتجات الدانمارك، هل يعقل أن تجبرنا الحكومة على تناول زبدة لورباك أو جبنة بوك؟!!
فرد قائلاً هل أنتِ ضد أو مع تدخلنا في شؤونكم؟ قلتُ بالطبع ضد، فأضاف متسائلاً: حسناً وهل أنت مع دفع الدانمارك لتحجيم حرية الإساءة للأديان، قلت نعم، فقال هاأنت أصبحت مثلهم مزدوجة المعايير! على أحد الطرفين أن يتوقف، فإذا كان الغربيون (كما تسموننا) أخطأوا فلا يجب أن تقابلوهم بخطأ آخر، فخطآن متوازيان لا يصنعان صواباً، ثم ما رأيك في حرق الأعلام، تحت أي بند يصنف حرق أعلام الدول؟
أجبته بأنه ابتداء، أنا ضد حرق الأعلام وأراه أسلوباً غير حضاري في التعبير، وطبعاً ضد العنف المتمثل في إحراق السفارات والقنصليات لأنه يُضعف القضية ولا يقويها ويسيء لنا بشدة. فبالرغم من غضبي الشديد من الحكومة الدنماركية وإعلامها، فلم أسمح لهم بأن يغيروا قناعاتي بأن لا أعمم حقدي وكراهيتي على أمة أو شعب أو دين. وحرق الأعلام ليس جزءاً من ثقافتنا كسعوديين، حيث مقاومتنا كانت سلمية ومع ذلك أشد وقعاً عن طريق المقاطعة الاقتصادية.
ثم ذكرته بأنه مع أن الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم غير مقبولة في كل وقت، إلا أن هذه الإساءة جاءت في وقت سيئ. جاءت بعد احتلال أفغانستان والعراق، وبعد جوانتانامو، وبعد أبوغريب. جاءت لتضرب على وتر حساس لأمة مجروحة ومقهورة ، تشعر بأنها أصبحت ملطشة (أو عتبة باب بالتعبير الإنجليزي) لمن أراد أن يشتهر أو يتسلى. فكان لازماً أن يكون الرد حاسماً على المستويين الشعبي والرسمي، حتى لا يتجرأ غيرهم، وهو ما حصل إذ أعادت صحف بعض الدول الأوروبية نشر الرسوم المسيئة، رغم معرفتها مسبقا بردة الفعل المتوقعة، فماذا نسمي هذا؟
انتهى النقاش معه باتفاقنا على أن للحرية حدوداً، وباعتقاده هو بأن العالم الإسلامي يجب أن يتعقل، ولا يجابه الإساءة بمثلها، وإلا فإن العالم المجنون سيزداد جنوناً. أظهرت احترامي لرأيه مع اختلافي معه.
لقد كتبتُ حواري معه في هذا المقال هذا لتقديم وجهة نظر من الطرف الآخر للقارئ العربي، وأعتقد أنه من المفيد أن نطّلع عليها. فليس الهدف من ذلك أن نخرج منه بصورة أفضل عن الآخر، ولكن بصورة أقرب للحقيقة عنه. فسواء أحببناهم أو عاديناهم، فإنه يجدر بنا أن نتعامل معهم كما هم لا كما نتصورهم نحن، أو كما يراد لنا أن نتصورهم.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسي-إسلامي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “حوار مع "إنجليزي"..حول قضيتنا مع الدانمارك”

  1. آهـ آهـ

    موضوع رآآئع جدا

    عسى الله أنا ينصر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام

    تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر