نستورد أو نستورد!
كتبهامرام ، في 27 أبريل 2007 الساعة: 00:41 ص
حين كتبتُ قبل أربعة أسابيع تقريباً عن موضوع السماح بتغيير لغة الدراسة في المدارس الخاصة، كانت ردة الفعل مختلفة عما كان يردني حول مقالاتي عادة. فيبدو أن الذين كانوا يعتبرونني "لبرالية وتغريبية" بسبب آرائي فيما يتعلق بحصول المرأة السعودية على حقوقها، قد فوجئوا بهذا النفس العروبي والإسلامي. أما من كانوا يعتبرونني "تقدمية ومنفتحة فكريا" للأسباب ذاتها، ولانتقادي للقرارات أو التصرفات الرجعية التي ما أنزل الله بها من سلطان، فقد فوجئوا بأنني انقلبت بين ليلة وضحاها إلى متشددة سلفية، ومتعصبة قومية. وبين هؤلاء وأولئك، هناك من استطاع أن يقرأ جيداً ويدرك أن ثمة فرقاً كبيراً في أن تكون مع تطوير بلادك وتقدم أمتك، وبين أن يرتبط ذلك بمسخ هويتها، وطمس كل جميل لديها. وبين أن تحارب الجهل والجمود والتعصب والعنصرية والتأخر، وبين أن ترفض أن يكون الثمن للخروج من هذا كله هو أن تبدل جلدك.
بداية سعدت بمعرفتي أن هناك كتاباً آخرين تصدوا أيضاً لهذه القضية المصيرية، والتي للأسف لم تأخذ نصيبها من الاهتمام كما أخذه زواج المسيار أو المسفار! فهذا معالي الدكتور محمد بن أحمد الرشيد، وزير التربية والتعليم السابق، والذي تشرفت بتسلم رسالة منه تعليقاً على مقالتي، يفرد عدة مقالات للقضية في صحيفة الرياض. وقد أدركتُ وأنا أقرأ بعضها، كيف أن هذا الرجل الوطني قد ظلمته كثيراً تلك الأقلام المسمومة، التي اتهمته يومها بأنه يسعى لتغريب مناهجنا وتعليمنا، وهي نفس الأقلام التي نراها اليوم صامتة، وكأن على رؤوسها الطير، ولله في خلقه شؤون!
نعود إلى القضية ذاتها محل الجدل، يقول الأمير بندر بن سعود بن خالد في صحيفة الوطن بتاريخ السبت 4 ربيع الآخر 1428هـ: "إن تدريس المناهج بلغات أجنبية حُسم بأمر ملكي وعلى الرافضين ألا يستبقوا النتائج"، ويستشهد بتجارب الدول المجاورة العريقة في هذا المجال، والحقيقة أنني أريد أن أناقش سموه في هذا. فمن ناحية سموه يدعونا إلى عدم استباق النتائج، في حين أننا لم نسمع عن دراسة قام بها مختصون، أو حتى طرح القضية للنقاش من قبل الرأي العام ( كما يحصل في هذه الدول التي نريد أن نستورد مناهجها)، قبل أن يتم اتخاذ القرار لنعتبر القضية مجرد تجربة محدودة ننتظر تقييمها. فأي بحث منهجي في العالم، يبدأ بفكرة تتحول إلى فرضية، ويتم إخضاعها للتجربة ضمن نطاق محدود، ومن بعد ذلك يتم تقييمها، والخروج بنظرية أو توصية بقابليتها للتطبيق على نطاق أشمل وأوسع. لكن هذا لم يحصل في هذه القضية، التي فوجئنا بها تماماً، وفوجئنا بسرعة تطبيقها، دون إعطاء الرأي الآخر فرصة ليقول ما عنده. وخاصة أن المعارضين للفكرة لا يمثلون (على خلاف العادة) تياراً فكرياً واحداً، أو طبقة اجتماعية بعينها. فإذا لم يكن هناك تروٍ في فرض القرار، فلماذا يُطالب المعترضون على القرار، بأن ينتظروا ويعطوا التجربة الفرصة؟
الجزئية الثانية، فيما يتعلق بتجارب الدول العربية العريقة، وهذه حجة لنا يا سمو الأمير، فقد ذكرت في مقالي السابق ("الوطن" العدد 2371) التجربة المصرية، وكيف أن الأصوات الوطنية هناك تستغيث (بعد تجربة عمرها يقارب مئة عام)، قائلة بأن الوضع يتجه من سيئ إلى أسوأ، وهذه مصر بلد الأدب والعلم والثقافة والكتب في عالمنا العربي. وسأضيف هنا، تجربة الدول الخليجية، التي هي نتيجة لتركيبتها السكانية، وحجمها، ومستوى دخل الأسرة، وحجم التواجد الغربي فيها، أضعف بكثير من مصر في قدرتها على مواجهة المد التغريبي. ففي رحلة مع بعض الأخوات من دولة خليجية، كانت الغالبية منهن من خريجات المدارس الأمريكية والعالمية داخل تلك الدولة، فوجئت بأن الفتيات لا يعرفن العربية الفصحى، وإنما يجدن فقط العربية المحكية. وفي هذا البلد ذاته، صدرت مؤخراً قرارات عن وزارة التربية والتعليم، تفيد بوجود تكثيف دروس الدين واللغة في المدارس الأمريكية والبريطانية (وليس فقط المدارس الأهلية الوطنية)، نتيجة لما بدأ يطفو على السطح من ظهور أجيال أمية في لغتها ودينها.
إنني أستطيع تفهم فكرة إعطاء حرية أكبر للمدارس بشأن المناهج، لكنني لا أستطيع أن أجد سبباً في أن تشمل هذه الحرية اللغة أيضاً. وحتى حرية وضع المنهج بدون ضوابط، وإن كانت بالعربية ففيها نظر، فبعيداً عن تجاربنا العربية، دعونا نأخذ تجارب دول أخرى. قرأت مؤخراً كتاباً كانت مجلة المعرفة قد تكرمت بإهدائي إياه، بعنوان ( صورة العرب والمسلمين في المناهج الدراسية حول العالم)، وهو صادرٌ عن وزارة التربية والتعليم في عام (2003- 1424هـ). وقد لفت نظري بخصوص التجربة الروسية أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتفكك الدولة الموحدة، تولى أمر وضع المناهج الدراسية جهات لا علاقة لها بالتربية أو التعليم أو الوطن. وهذه الجهات لم تكتف بأنها غيرت ما كانت المناهج الدراسية السوفيتية تتبناه بشأن قضايا خارجية مثل قضية فلسطين، وإنما طال التزييف والتزوير حتى تاريخ روسيا نفسه. وجاء في الكتاب: " شكا المخرج الشهير نيكيتا مخالكوف رئيس اتحاد السينمائيين الروس من أن التلاميذ الروس يقرؤون عشرة أسطر فقط عن مؤلفات أدبائهم العظام مثل: دوستويفسكي وتولستوي، فيما تفردت صفحات لكتاب ثانويين تنحصر أهميتهم في انتمائهم إلى شعب الله المختار!". وكذلك يدرس هؤلاء الطلبة المساكين عن بطولات أمريكا وبريطانيا في الحرب العالمية الثانية، في حين أن ما بذله أجدادهم في هذه الحرب ذاتها ضد ألمانيا الهتلرية قليلٌ وغير شامل.
وإذا سلمنا جدلاً بأن القرار الآن يشمل أيضاً استثناء المناهج الاجتماعية إلى جانب اللغة والدين، فما هو مبرر استبدال المناهج العربية إذن؟ لماذا تصرف كل هذه الأموال ليتعلم الطالب أن "ون بلس ون إيكلوز 2" بدلاً من "واحد زائد واحد يساوي اثنين"؟ ما القيمة المعرفية والعلمية المضافة حين ندرس عملية التمثيل الضوئي بالإنجليزية؟ أو تركيب الجهاز الهضمي بالفرنسية؟
إذا كانت القيمة تكمن في تميز الكتاب المدرسي الغربي، فيمكننا ترجمته باحترافية، وإذا كانت القيمة تكمن في أساليب التدريس، فيمكن أن يتم تبنيها، أما إذا كانت القضية، رفع مستوى اللغة الإنجليزية، فهناك ألف طريقة أخرى لفعل ذلك. ثم لا أعرف كيف سيقوم معلمٌ عربي، يدرس المنهج العلمي بالإنجليزية، برفع كفاءة الطالب وحصليته اللغوية، وهي ليست لغته الأم، وهو ليس متخصصاً بها ابتداء! أم سيتم استقدام معلمين أجانب؟ من سيتحمل رواتبهم الفلكية؟ من سيتأكد من أنهم مؤهلون فكرياً وثقافياً لتدريس أطفالنا في هذه المرحلة المبكرة؟ هل يتفهمون الحساسيات الاجتماعية والدينية لبلادنا وأهلنا؟
صديقتي الفرنسية حين أخبرتها عن هذه القضية، قالت لي بالحرف الواحد، لو أن وزير التعليم في فرنسا أعلن شيئاً كهذا، لامتلأت شوارع باريس بالمظاهرت، فإلا الفرنسية! وها هي إسرائيل تحيي لغة مواتاً لتكون رابطة للشعب اليهودي، وإسرائيل تعلم وتتعلم بهذه اللغة، وفي كل المؤتمرات التي حضرتها منذ أن بدأت الدكتوراه، كانت هناك دائماً ورقة بحث فائزة بأحسن جائزة من إسرائيل وجامعاتها التي تدّرس بالعبرية.
بل إن آخر الأبحاث في مجال التربية والتعليم، تثبت كما تقول الأستاذة ظلال مكّاوي (محاضرة بجامعة الملك عبدالعزيز، وطالبة دكتوراه في تخصص تدريس اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها)، الارتباط الوثيق بين اللغة والهوية والثقافة، وتأثير ذلك كله على العملية التعليمية.
إن سر التفوق العلمي الغربي، لا يكمن في نوعية اللغة المستخدمة، وإنما في جودة التعليم ذاته. بالإضافة إلى أن التعليم ليس وحده العامل الحاسم. فهناك المساواة والعدالة الاجتماعية، وهناك الشفافية المالية، وهناك الانتخابات النزيهة، وحرية الرأي والكلمة، واستقلال القضاء، والمشاركة الشعبية. فليتنا نتحمس لتبني الجوانب المضيئة في الحضارة الغربية بقدر حماسنا للي ألستنا بلغاتها، أو لتقليد صرعاتها واستهلاك منتجاتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتماعي | السمات:اجتماعي
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 27th, 2007 at 27 أبريل 2007 6:03 م
ولكن لا حياة لمن تنادي !!
أبريل 29th, 2007 at 29 أبريل 2007 12:12 ص
ربما..ولكن اشعال شمعة خير من لعن الظلام
أبريل 30th, 2007 at 30 أبريل 2007 1:07 م
د. مرام
الم تلاحظي ان اكثر مجال يجرى عليه التجارب هو التعليم .. ولا ادري ما هو السبب؟
ثم ان مجال الخطأ هنا لا يمكن اصلاحة .. فكيف سنعيد الطلبة الى مقاعد الدراسة ونقول لهم “اسفين .. علمناكم غلط وسنعيد التجربة”.
اما موضوع السكوت العام فلان القرار اتى من اعلى سلطة .. وهم لا يقدرون توجيه الاتهامات الى اعلى سلطة مهما كان. هم لا يستطيعون حتى مناقشة المواضيع من هذا النوع في مجالسهم. ولو كان القرار هو السماح لمدارس البنات (ولاحظي البنات فقط) لكان تصدر المنتديات والمجالس و ….
أبريل 30th, 2007 at 30 أبريل 2007 3:42 م
هذه حقيقة وحقيقة مره
هناك أقلام وأصوات تقف ضد الشخص وتهتمه في نيته فقط لأنه غير ملتحي، وهي مستعده للوقوف مع شخص آخر مع أن سمعته سيئة لمجرد أنه ملتحي وهناك أمثلة كثيرة
أمر آخر تطوير التعليم مهم وهي قضية يطالب الجميع فيها من قبل 11 سبتمبر لكن الغريب أن تتحول هذه المطالبة بتطوير المناهج والتعليم ككل إلى المطالبة بتغيير المناهج الدينية فقط
مع أنني أعتقد بأن مناهجنا العلمية هي التي يجب أن يطالها التغيير أولاً لأنها مناهج قديمة وعقيمة ولاتضيف جديداً للطلبة
وحتى تغييرها الآن يتضح بأنه سيتم بطريقة عشوائية الهدف منها ذر الرماد بالعيون
إننا قبل تغيير المناهج يجب أن تكون لدينا كدولة رؤية وهوية واضحه نود صناعتها لدى الفرد ومن ثم يتم صياغة واختيار المناهج طبقاً لهذه الرؤية
مايو 7th, 2007 at 7 مايو 2007 9:31 م
تحية للكاتبتنا ولما تقول ووالله لم افهم المقصود والهدف من المقال
مايو 7th, 2007 at 7 مايو 2007 9:45 م
فيما يتعلق برائي القراء الكرام
ان اراك كاتبة موهوبة ومثقفة عالمية يتملكها نفس اعجاب غير مفهوم بالغرب
انا لست مع من يقول بتدريس المناهج بلغة اجنبية ولكن مع تطوير اللغة الانجليزية وتدريسها بشكل مكثف
مستوى شبابنا وبناتنا في اللغة الانجليزيةمخجل ومعيب
صحيح نحن شعوب مستهلكة لكل شي وهذا حتى العادات والسلوكيات كما يقول الدكتور غازي القصيبي
اخذنا الكحول والسيجارة وا اخذنا صناعة السيارة
ولكن حتى هنا اكثر شعوب الارض تحضرا وقوة هي اكثر شعوب الارض استهلاكا لدرجة انها تخوض الحروب من اجل حماية استهلاكها
مايو 25th, 2007 at 25 مايو 2007 12:38 ص
الأخوة الأفاضل..
شكراً جزيلاً لكم على التعليق..قرأت كلماتكم..وأتفق مع ما جاء فيها…ما عدا تعليق الأخ شكيب حول إعجابي بالغرب خاصة بعد كتابة هذا المقال!!
تحياتي
ديسمبر 24th, 2007 at 24 ديسمبر 2007 11:07 م
السلام عليكم يعطيج العافية اختي بصراحة هذه هي المره الأولى التي أقرأ فيها كتاباتك ولا أعرف ما هو إنتماؤكي الفكري سواء كنتي ليبرالية او سلفيه او حتى شخصية عادية لكن بهذا الموضوع انا اؤيدك 100% وأشد على يدك كفانا شفط للثقافه الغربية بحسناتها وسيئاتها بعسلها وزقومها وصل بنا الأمر الى درجة ان نساوم على لغتنا علينا بان نخلق نفسنا بنفسنا ولا بأس بالإستفاده من غيرنا من الدول سواء بعاداتها ان كانت مفيده او بعلمها ان وجدناه يطورنا ولكن يجب ان لا يكون على حساب تغير جلدنا كما ذكرتي حضرتك واشكرك على هذا الموضوع الرائع والله يوفقك ويرفع انشالله مناهجنا الدراسية .
سعد- الكويت
يناير 16th, 2008 at 16 يناير 2008 7:09 م
ye36ek el3afia ketabatek jamela
wa laken ana atmna an tkon elmnahej fi bladna we khososa eso3dia be el english aw y3arbo kol elkotob eljam3ia lle an eljame3 ywajeh moshkela fi eljam3a elkotob bloga we eta3lem be loga we hatha ysa3eb fehm el6aleb lli elkotob el3elmia fi eljam3a
we yegdaro ykhalo elmwad el3lmia be english bdon mayelgo haweiatna net3alam 3arabi we den 3adi we mawadhom l7alha laken nakhod elmawad el3elmia be loga 3almia 7ata nwakeb etagadom we netgdar negra ai ktab bsohola