عاصمة بلا مطار !

كتبهامرام ، في 20 أبريل 2007 الساعة: 02:58 ص

من الأمور التي تميز كل عواصم العالم تقريباً، مهما بلغ حجم الدولة وعاصمتها، هو وجود مطار دولي واحد على الأقل فيها، يعمل كشريان يوصلها ببقية أرجاء المعمورة. وفي مدينة كبيرة جداً من حيث المساحة وعدد السكان، وعدد المسافرين منها وإليها وعبرها كمدينة لندن فإنه يخدمها ومحيطها خمسة مطارات دولية ومحلية (هيثرو، جاتويك، ستانستيد، لندن سيتي، ولوتون). وهناك مطارات دولية أخرى في المقاطعات والمدن البريطانية المختلفة، إلا أنه من الطبيعي أن تحظى لندن بأكبر عدد ممكن منها، لأنها الوجهة النهائية أو العابرة (ترانزيت) لمعظم حركة النقل الجوي من وإلى المملكة المتحدة. ولندن ليست بدعاً في هذا، فمدينة واشنطن لديها أيضاً أكثر من مطار دولي. وفي حين أن هذه العواصم الهامة تعاني مما يمكن أن نعتبره ترفاً في عدد الشرايين التي تضخ البشر إليها، فإن هناك عواصم أخرى مازالت على الانتظار، وتحلم بأن تفيق ذات يوم لتجد مطاراً ولو محلياً وصغيراً، يسهل الحركة منها وإليها، خاصة إذا كانت هذه الحركة نشطة للغاية طوال العام، وتصل إلى الذروة دولياً مرتين على الأقل في السنة الواحدة، مما يجعل فكرة وجود مطار لها أكثر من مبررة. ومن هذه المدن الحزينة، عاصمتنا الدينية الغالية: مكة المكرمة. والتي أكاد أجزم بأن أكثر من 60% من حركة النقل الجوي من وإلى السعودية وجهتها الأساسية هذه المدينة.
لسنواتٍ طويلة ظل المكيّون والزوار ينتظرون بأن يتحقق حلمهم هذا ذات يوم، خاصة أن خبراً بهذا الخصوص قد نشر قبل أكثر من سبع سنوات، بتاريخ 22 شوال عام 1421هـ، جاء فيه على لسان مسؤول في أمانة العاصمة المقدسة أن إدارة التخطيط العمراني بأمانة العاصمة المقدسة قد أنهت كافة الدراسات لإيجاد أرض صالحة لإنشاء مطار "دولي" في مكة المكرمة. ومع أنني تعلمت منذ زمن طويل، ألا أثق كثيراً بالتصريحات والبشائر حين يتعلق الأمر بالمطارات، منذ أن كتبت وأنا طالبة على مقاعد الدراسة الجامعية مطالبة بتحسين مطار جدة الدولي، وأنا اليوم طالبة دكتوراه ولم يتغير شيء. إلا أن قراءتي للخبر، قد جعلتني أستغرب كيف أن الكلام لدينا فعلاً كما يقول المثل:"ما عليه جمرك!"، وإلا فكيف يصرح مسؤول عن مشروع لم ير النور بعده لأكثر من سبع سنوات؟ هل كان حلم صيف وعبر؟ أم إن المشروع والدراسة كانا جاهزين بالفعل قبل أن تطير الطيور بأرزاقها؟
وإذا كان أهل مكة قد تقبلوا على مضض فكرة عدم وجود مطار في مدينتهم أو قريباً منها، رغم أهميتها الدينية بل وحتى السياسية، فهناك من يعتبرها أول عاصمة لبلادنا بعد توحيدها، وهي حتى يومنا هذا جوهرة الوطن وتاجه، وأهمية البلاد الاستراتيجية والسياسية جاءت من احتوائها على الأماكن المقدسة، ومن ثم لظهور النفط، الذي نعرف جميعاً أنه ثروة ناضبة، بينما ثروة مكة الدينية والروحية باقية ما بقي في الأرض إنسان يردد الله أكبر. أقول إذا كانوا قد تحملوا مشقة السفر عبر مطار جدة، الذي يعد بعيداً حتى بالنسبة لسكان هذه المدينة المليونية المتمددة طولياً، فإن ما دغدغ أحلامهم، وجعلهم يجددون مطالبهم المشروعة في مطار محلي، هو إنشاء الطيران المحلي لأربعة مطارات جديدة في محافظات مختلفة، لم تكن مكة المكرمة إحداها. ويجادل هؤلاء بأن بعض هذه المحافظات صغيرة جداً، ولا تستقبل طوال العام 10% مما تستقبله مكة المكرمة من زوار في شهرٍ واحد، أو 1% مما تستقبله مكة في المواسم (رمضان والحج)، بل وبعضها متقارب جداً من الآخر. وهكذا فإن محافظة عدد سكانها مئتا ألف نسمة أو أقل يخدمها مطار محلي، في حين أن مطار جدة المتهالك يخدم سكانها البالغ عددهم حوالي المليونين، إضافة إلى ما يقارب المليون من سكان مكة، وما يقارب المليوني شخص من خارج السعودية كل عام، أي حوالي خمسة ملايين شخص!
وإذا تركنا الجدل حول أحقية أم القرى (الأدبية والمعنوية) في مطار خاص، وركزنا على ما يجري على أرض الواقع، هل هناك حاجة وضرورة لهذا المطار؟ الجواب هو نعم كما يقول السيد محمد بكر حمدي، وهو من سكان مكة المكرمة، وممن عملوا لما يقارب عشرين سنة في مؤسسات الطوافة خلال مواسم الحج المختلفة. إذ يرى أن الرحلات المسيرة بالحافلات من مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة إلى قلب مكة المكرمة، مرهقة جداً للحجاج والمعتمرين، خاصة أن بعضهم يسافر من بلده إلى السعودية بالطائرة ابتداء لمدة قد تصل إلى اثنتي عشرة ساعة أو أكثر، ثم هناك الإجراءات في المطار ومن ثم يصل الحاج أو المعتمر بعد ساعة ونصف إضافية إلى مكة (إن وصل بسلامة الله) وقد أعياه التعب. خاصة أن نسبة كبيرة من ضيوف الرحمن من النساء أو المرضى أو العجزة أو حتى الأطفال، مما يجعل هذه الرحلة جد شاقة عليهم. فإذا أضفنا إلى ذلك خطورة القيادة في السعودية، والعدد الكبير من الحوادث التي تقع على طريق مكة - جدة السريع، أو على طريق مكة - المدينة (الأسوأ حالاً) والذي لا تزال ذاكرته تختزن بعض الوقائع المؤلمة، من حوادث التصادم والانقلاب التي تعرضت لها هذه القوافل من الحافلات، والتي راح ضحيتها مسلمون ملتحفون بملابس الإحرام البيضاء، فعندها إن لم يكن لهذا المطار المقترح من فائدة سوى تسيير رحلات داخلية ما بين مكة وجدة، أو مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتلافي أو تقليل نسبة هذه الحوادث، لكان ذلك كافياً. خاصة مع دخول شركات النقل الجوي الخاص للسوق السعودي.
ولا يتوقع أن يؤثر بناء هذا المطار الجديد سلباً على مطار جدة، الذي يئن بدوره من كل شيء، فجدة تظل قبلة السياح ورجال الأعمال، فهي مدينة تجارية وسياحية، وعدد سكانها كفيل بأن يجعل مطارها في حركة دائمة. بل وفي حال كون المطار الآخر داخلياً، فسيظل مطار جدة إذن المطار الدولي الذي يخدم المنطقة الغربية بأكملها. ومطار مكة قد يساعد في تخفيف الضغط عن هذا المطار، كما سيخدم السعوديين المقيمين في الخارج، والراغبين في زيارة بلدهم خلال المواسم الدينية، لتصادف إجازاتهم الفصلية أو السنوية أحياناً (خاصة الطلبة) مع تلك الفترة، وذلك في إيجاد مقاعد شاغرة على رحلات الطيران المختلفة. وقد اضطررت شخصياً قبل عامين خلال إجازة عيد الميلاد في بريطانيا، إلى الحجز على لائحة الانتظار، من أجل السفر إلى جدة، في شهر ذي القعدة بسبب ضغط موسم الحج، حتى إن الخطوط السعودية تلغي في تلك الفترات التخفيضات المعتادة للطلبة وغيرهم.
إننا نتساءل عن السبب الذي يؤخر إنشاء مطار في العاصمة المقدسة، رغم أن الفكرة موجودة ومطروحة منذ عدة سنوات، بل يقول الخبر المنشور قبل سبع سنوات إنه تم تحديد الأرض التي سيبنى عليها المطار وإنها على طريق الليث، جنوب مكة، وخارج حدود الحرم (تفادياً لأي حرج ديني)، وإن المشروع قد تمت دراسته من قبل لجنة متخصصة. فإذا كانت الأسباب المادية والظروف الاقتصادية هي السبب في إرجاء الأمر سابقاً، فإنه وفي ظل الفورة النفطية، والطفرة المالية، التي تعيشها بلادنا حالياً، فلا شك أن هذا العذر قد انتفى، خاصة أنه تم مؤخراً إنشاء أربعة مطارات محلية جديدة. فإذا كانت كلٌ من سكاكا والقريات والباحة ومدن أخرى قد استطاعت أن تقنع المسؤولين في الطيران المدني باستحقاقها لمطار، فلا شك أن المهمة يتوقع أن تكون أسهل بكثير على العاصمة المقدسة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتماعي, محليات | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “عاصمة بلا مطار !”

  1. الاخت مرام

    بدات قراءة مقالك قبل وصلي الى الحرم النبوي في المدينة المنورة ولم اقطع قراءته الا لامعان النظر في منارات وساحات الحرم النبوي

    مرام

    حرصك على صورة ونمط حياة بلادك هو اكسير نجاحك وماءحياة تفوق قلمك واسلوبك

    مرام

    انتي بنت مثقفة عالمية من غير المعقول ان تكوني لاتعرفين انه من غير المسموح لاي طيران عبور اجواء منطقة الحرم في مكة المكرمة

    المطار المقترح رسميا سيكون بعيد عن الحرم

    وسيكون حلا لكثير من المتاعب وسبب في بعض المتاعب الاخرى او المصائب لا قدر الله اذا لم يفكر من يعنيهم الامر في حرمة الاماكن والاجواء

    غاليتي مرام

    اسمحلي ان اقول انه تتخلل مقالك وكل مقالاتك تقريبا سنفونية براءة عميقة ولكنها تصدر من المصدر المناسب وتسيرفي الاتجاة الصحيح

    مع كامل الود والاحترام

  2. الأخ الفاضل شكيب..

    شكراً على مشاركتك، وعلى حماستك، وحسن ظنك. أصدقك القول بانني لم أفهم من مداخلتك هل أنت مع أو ضد المطار؟

  3. أختي مرام أهنئك على حرصك على تطور بلادك في كافة المجالات

    و أقول للشعب السعودي أولاً و العربية و الاسلامية ثانياً نم قرير العين مطمئناً فقائد مسيرتك أبو متعب .

  4. د. مرام

    اتذكر قبل اكثر من عشرين عام كان يجري حديث بين اخوالي الذين يعيشون في مكة المكرمة عن حسرتهم من عدم وجود مطار واضطرارهم للمرور على جدة في كل سفرهم. واظن والله اعلم اني ساستمع لنفس الموضوع من احفادي ان كنت على وجه الارض!!

    المشكلة ليست الارض او الاجواء او الحرمانية (ملعب الشرائع مثال) ولكن المشكلة تحتاج الى تدخل اعلى سلطة في البلاد في اي موضوع منطقي ليحصل !



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر