أنا وحلمي والخبير الأجنبي!

كتبهامرام ، في 10 يناير 2007 الساعة: 18:58 م

قبل أشهر من الآن، أُعلن عن مشروع رائد اسمه مدينة الملك عبدالله الاقتصادية، وتناقلت وسائل الإعلام المختلفة، وكذلك المنتديات الإلكترونية صوراً مذهلة لمخططات تلك المدينة الحديثة. يومها أمسكت إحدى المطبوعات التي تناولت المشروع بإسهاب، فالتمعت عيناي فرحاً، وامتلأت نفسي حماسة، أنا التي أدرس على حساب وزارة التعليم العالي، ولست مبتعثة من أي جهة، وبالتالي فليس لدي - حتى الآن - وظيفة.
فالغريب أن وزارة التعليم العالي، التي تصرف هذه الأموال الهائلة على ابتعاث الطلبة، ليس لديها أية آلية واضحة لتوظيفهم. مع أنه يفترض أن يكون ثمة تنسيق بحيث تقوم الوزارة ابتداء بسد حاجات الجامعات المرتبطة بها، أو المدعومة من قبلها مثل الكليات الخاصة، من الخريجين الذين صرفت عليهم في أرقى جامعات العالم، وبخاصة طلبة الدراسات العليا. فهؤلاء فرصهم في العمل أقل من خريجي البكالوريوس، والمكان الطبيعي لمعظمهم هو الجامعات، وذلك أفضل من الذهاب والتعاقد مع بعض الأساتذة من الدول الأخرى.
نعود للمدينة الاقتصادية، والتي من أحد مشروعاتها، مدينة تعليمية أو جامعية، تضم عدداً من الكليات التعليمية الراقية سواء الحكومية أو شبه الحكومية، أو الجامعات الأجنبية (التي تقدم العشرات منها من دول مثل بريطانيا وكندا وأمريكا ولم يُسمح لها بعد)، وبالتالي فقد بدا لي أن ثمة فرصاً كثيرة بالانتظار هناك في الوطن. هذا على افتراض أن هذه الجامعات والكليات ستكون للشباب وكذلك للبنات، فلا يجب أن تكرر التجربة العنصرية لجامعة الملك فهد، التي ما زالت توصد أبوابها دون أحلام بنات المنطقة الشرقية والوطن بأسره.
ليلتها، خلدت إلى النوم بعد أن أنهيت قراءة التقرير وأنا أحلم بالمستقبل، لكن هل كان يحق لي أن أكون بهذا التفاؤل؟
حين عدتُ لألقي نظرة على الكليات والجامعات الخاصة بوجه عام، وتفحّصت أسماء مسؤوليها، أو هيئة أعضاء التدريس فيها، وجدت أنها تغص بالأسماء الأجنبية. وحين أتحدث عن الأسماء الأجنبية، فأنا أقصد مايكل، وجورج، وهيلين وكاترين.
لا أريد أن يساء فهمي بأنني ضد الأجانب من الغربيين وغيرهم، فأنا ولدت بينهم، ولعبتُ ودرست معهم، بل وأنا مقيمة في أراضيهم حالياً، ولدي صداقات في كل أنحاء العالم والحمد لله. بل وأُفضِّل أن تتعاقد الدولة مع مختصين في مجالاتهم من دول أجنبية، على أن تتعاقد مع أشخاص محدودي المعرفة والخبرة، بل وأحياناً وسيئي الخلق، من أي مكان آخر. لأن بعض هؤلاء الأساتذة من دول العالم الثالث، كانوا بالفعل وبالاً على نظامنا التعليمي الوليد، إذ أدخلوا معهم أنظمة الملخصات المكتوبة بخط اليد (حتى لو كان يُدرس مادة حاسب آلي!)، والدروس الخصوصية، وإلزامية شراء مؤلفاتهم.
ما أنا ضده أمران: الأول، أن يعطى الأجنبي الغربي الفرصة، لمجرد أنه أوروبي أو أمريكي، يعني لأسباب نفسية مرتبطة بعقدة التفوق، في حين يحرم منها ابن الوطن او ابنته. فحين لا نجد الكفاءة المطلوبة (بعد الإعلان والبحث)، فلا حرج أن نفتح المجال للآخرين، كما يحصل في كل بلد، لكن الأولوية يجب أن تكون محلية. وأعتقد أن تنوع خلفيات الأساتذة في الجامعة شيء مطلوب، لكن الأصل أن تكون الأولوية للسعوديين والآخرون استثناء. طبعاً وهذا لا يشمل الجامعات والمؤسسات التعليمية فقط، بل كبريات الشركات والمؤسسات والمستشفيات السعودية الحكومية والخاصة. تخيلوا أن بعض هذه الوظائف تشترط أن تكون الشهادات التعليمية من الولايات المتحدة الأمريكية فقط، مما يعني أنه حتى شهادات بريطانيا وأستراليا وكندا غير مرضية لها، ناهيك أن تقتنع بشهادة من جامعة سعودية.
الأمر الثاني، هذا التمييز الهائل بين المواطن السعودي الذي يشغل نفس الوظيفة ونظيره الأجنبي، في حالة عجيبة لا تتكرر إلا في الخليج العربي على ما يبدو. خاصة أنهما أحياناً يحملان شهادة جامعية من الجامعة ذاتها، بل قد يكون السعودي حاصلاً على خبرة أو تقدير أعلى من ذلك الآخر. أتفهم أنه لا بد من تقديم إغراءات لبعض الكفاءات النادرة، حتى تقبل أن تترك جنتها وتعيش في صحرائنا، وطبيعي أن يكون هناك بدلات سفر وسكن وتأمين صحي وخلافه، لكن أن يكون الراتب أربعة أو خمسة أضعاف راتب المواطن، بالإضافة إلى بدلات أخرى مثل تعليم أولادهم في مدارس باهظة الثمن في الداخل أو الخارج، فهذا يصعب تقبله.
وحين كنت أسأل أولئك السعوديين الذين يعملون جنباً إلى جنب مع شخص يعرفون أنه يؤدي نفس وظيفتهم ولكنه يقبض الثمن أضعافاً مضاعفة من دون مبرر حقيقي، كان الجواب مزيجاً من الحسرة والغضب والمرارة، مع التسليم بالأمر الواقع. قال لي طبيب سعودي ذات مرة بسخرية مرة إن راتب الممرضة الأوروبية أعلى من راتبه وهو استشاري! وبعث موظف من شركة أرامكو يقول إن بعض من تدفع لهم الشركة الرواتب الفلكية هنا، لا يملكون أي خبرة حقيقية، وبعضهم عادي جداً، وهناك مئة خريج سعودي أفضل منه.
ترى كيف يمكن تبرير هذا الأمر من ناحية قانونية خاصة بعد دخولنا منظمة التجارة العالمية؟ أفلا يعتبر سلم الرواتب الخاضع للجنسية، نوعاً من التمييز؟ سؤال أريد إجابته رجاء ممن لهم خبرة في المجال القانوني.
وسؤال آخر يطرح نفسه هنا، وماذا عن السعوديين ممن يحملون جنسيات أخرى بحكم الولادة؟ ماذا عن السعودي الأمريكي المولد والمتخرج من جامعة أمريكية، كيف يمكن أن نبرر من جهة قانونية عدم استلامه لراتب مساوٍ للأمريكي الآخر؟
والأمر لا يقتصر على التمييز على صعيد الراتب، بل حتى على المستوى الاجتماعي، فمن أجل الموظف الغربي تُبنى المجمعات السكنية الراقية، التي يتوفر بها من مرافق الحياة والترفيه، ما يحلم بربعه أي مواطن أو مواطنة. وفي حين أن بعض الشركات والمؤسسات والكليات لا تسمح بإقامة موظفيها السعوديين في هذه الأماكن أصلاً، فإن الأخرى تسمح ولكن عليه أن ينتظر دوره، بينما الأجنبي يستلم بيته بمجرد وصوله.
ولما كانت هذه المجمعات أماكن مغلقة، وكان يجري فيها (أو هكذا يعتقد) بعض الأمور التي لا تتناسب مع قوانين المجتمع السعودي، فإن في هذا أيضاً خلقاً لمشكلة اجتماعية من هؤلاء الذين يرفضون وجود هذه الأمور، وقد رأينا استهداف الجماعات الإرهابية (المرفوض طبعاً) لهذه التجمعات. ولأن هؤلاء الموظفين يبقون معزولين عن الناس العاديين، فلذلك قد يعيشون بيننا سنوات دون أن يعرفوا كلمة واحدة من العربية، ودون أن يقيموا علاقة حقيقية مع عائلة سعودية واحدة. وبالطبع لا تتكون لدى بعضهم أي رابطة عاطفية مع البلد، بل نجد أن أول ما يفعله بعضهم بعد الرحيل هو نشر كتاب، أو إنشاء موقع إلكتروني لشتم بلادنا، وفي حين أن لمدارسهم كافة الحرية لدينا، فإن مدارسنا عندهم مراقبة ومهددة بالإغلاق في أي لحظة، بل وأغلق بعضها فعلاً، فأين مبدأ المعاملة بالمثل؟
إن الاستثمار الحقيقي الذي يبقى للوطن، هو ذلك الذي يتم في عقول أبنائه، والذين سيبقون على أرضه، ويورثون خبراتهم لطلابهم، أو موظفيهم أو أبنائهم والمحيطين بهم. ولذلك فإنه لا بد أن يشعر كل طالب في الداخل والخارج، بأن ثمة وطناً ينتظره، وأن هناك فرصاً عليه أن يغتنمها، لا أن يشعر بأنه مهما فعل فلن يصل، ولن يعطى المرتبة التي يستحقها، حتى إن كان مؤهلاً، فقط لأنه لا يملك الواسطة المناسبة، أو (إذا كانت طالبة) لأنها امرأة والفرص المتاحة لها، في كل شيء محدودة.
ترى ألم تجد إحدى هذه الكليات الجديدة التي تم افتتاحها مؤخراً في المنطقة الشرقية، دكتورة سعودية واحدة من جامعاتنا، تصلح أن تكون رئيسة لها أو عميدة لها؟
أخيراً، بالرغم من أنني أنتظر يوم تخرجي بفارغ الصبر، إلا أنني أخاف من اليوم الذي سيليه، بأن يتكرر معي ما حصل سابقاً بعد حصولي على الماجستير، ومع ذلك فسأتشبث بالأمل والحلم، وأحاول أن أتزود بالعلم والخبرة، علهما يشفعان لي ذات يوم، ويعوضان عن افتقاري للشعر الأشقر، والعيون الزرقاء!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : عمل وتوظيف, محليات | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

13 تعليق على “أنا وحلمي والخبير الأجنبي!”

  1. دكتورة مرام

    جرأة تحسدين عليها في عرض المشكلات

    ولكن ..

    لا حياة لمن تنادي .. لو كان هذا المقال موجه للمسئوللين :(
    تنبيه المجتمع لحقوقه .. خطوه ممتازه لو كان هناك من يقرأ ويعي :(

    انا لا احبطك ولكني اعتقد ان الطريق طويل

  2. كاتبتي المفضلة مرام بارك الله فيها

    لماذا تصرين على المقارنة بيننا كمجتمع وثقافة وبين الغرب انه من غير المنصف ان لا نشيد بحسك الوطني الذي يتدفق من خلال ماتكتبين ولكن من الضروري ان ننتقد هذا الجري السريع في جلد الذات وتليب النفس مع اغفال قد يكون غير مقصود لعدم الادراك العام في مجتمعنا لضرورة الاصلاحوالتغيير

    باختصار

    انت وفقك الله تنتقدين الواقع ولا تقترحين الحلول

    تتشائمين من الامروتستعجلين الثمر

  3. الأخ زهير..

    أهلاً بك من جديد وشكراً على التعليق..ولا بد أن يطرق أحدنا هذه المواضيع!

  4. الأخ أبو نوره..

    شكراً على التعليق..

    أنا لا أجلد الذات..ولست منبهرة بالغرب..لكنني كالأم التي توبخ ابنها (لا ابن الجيران) لأنها تهتم لأمره وتريده أن يكون الأفضل..

    وأنا اقترحت الحلول خاصة فيما يتعلق بوزارة التعليم العالي..وطالبت البقية بالمساواة

    في المعاملة..ماذا يجب أن أقترح أكثر من ذلك؟

    لك تحياتي وشكراً مرة أخرى

  5. تحليل المشكلة بداية الحل .

    ذوي العيون الزرق ليسوا سواء أمام فئات الرواتب القائم على الجنسية . في إحدى المنشأت هناك ثلاث فئات رسمية للرواتب أعلاها الولايات المتحدة تليها السعودية و كندا و أوربا الغربية ثم دول العالم الاخرى.

    نحن بحاجة للثقة بالنفس أولاً و لهدف واضح نعمل من أجلة جميعاً إذا أردنا أن ننهض.

    تحياتي للكاتبة المبدعة

  6. اختي الموقرة مرام حفظهاالله

    كنت دائما وساظل مدمنا على قراءة مقالاتك ضعيفا امام اسلوبك الوطني الصادق

    غاليتي هناك امتيزات تحتفظ الدول المنتجة لنفسها بها من هذة الامتيزات المخصصات المالية

    ونحن سوف نبقى رهن هذا الامتياز حتى نملك الذهن القادر على الابداع والذراع القادر على الانتاج

    افكار موفقة ونصيحة حنونة تتقدمين بها في الجزء الاخير من المقال ولكن استميحك عذرا في ان اقول انها تصدر من فم مبحوح الى قوم بهم صمم

  7. الأخ بلعربي..

    أهلاً بك من جديد.. ,اتفق معك فيما ذكرته..

  8. الأخ شكيب..

    أهلاً بك وشكراً على إطراءك..

    تعليق مختصر مفيد (حتى نملك الذهن القادر على الإبداع) وفي رأي أن الذهن موجود

    أحياناً..لكنه مضطهد ومحاصر!

    أما حول الصراخ في الصم..من يدري فربما تحصل المعجزة!

  9. شكرا على هذا الحس الوطني الرفيع والمطلوب لكن سؤالي بحكم تخصصي مهندس أتصالات هؤلاء الطلاب الذين ابتعثو لدراسه الهندسة في الخارج اذا رجعوا الى أرض الوطن هل توجد خطة مسبقة لبيئة وظيفية تستوعبهم مع العلم انه يوجد زملاء لهم في أرض الوطن ونفس التخصصات سوف ينافسوهم على الفتات الوظيفي الحالي. أم هل الابتعاث هو عبارة عن تصدير أزمة وأسأل الله العلي القدير الا تكون كذلك . لاأدري هل توجد اجابة على هذا التساؤل؟

    وفقك الله في دراستك

  10. الأخ سناب..شكراً على التعليق..

    وهذا ما كنت أقصده..

    أزمة أم ازمات؟!

    الله يستر

  11. جزاك الله خيراً دكتورة مرام دائماً تضعين الأصبع على الجرح

  12. تعليقا على مقالك أختي مرام, بل أحسبه إكمالا لما سردتيه..فكوني مواطنة سعودية أيضا..لقد أدركت مؤخرا أن ثمة وقفة قد تكون صارمة او غير صارمة (الله أعلم) مع وضع التعليم في السعودية..فقد خصص جزء كبير من ميزانية البلاد للصرف على التعليم.

    لكن السؤال هنا يطرح نفسه..هل المال وحده قادر على خلق المتعلمين والمثقفين من أبناء وطننا؟..أشك في ذلك..فلو كان ذلك صحيحا لرأينا بلاد دول الثالث التي ذكرتيها “ونستلف” منهم خبراء ومبدعين ليسوا إلا متعلمين فقط..

    الأزمة الحقيقية في داخل نفوسنا وداخل عقولنا وداخل مجتمعاتنا..فلو أراد ذوينا الإصلاح ولديهم الطموح لأخذ المكانة الراقية,لكان الإصلاح هو هدفنا الأساسي..مع إيماني بأنه قادم في ظل العقول النيرة أمثالك

    أذكر في فقرة من برنامج تلفزيوني عن التعليم في السعودية ,عرض دكتور معروف من جامعة سعودية معروفة ,أن عدد الطلاب في تزايد والصفوف أخذت بالازدحام..نعم قد يكون المال هو الحل في ذلك لكي لاتصد أبواب الجامعات في وجه خريجين المدارس..لكن في رأيي هذا الحل هو من أنصاف الحلول..وأرى أن الحل هو دعم المال مع دعم أماكن لتوظيف المعيدين والمعيدات السعوديات وإتاحة الفرصة لهم للإبداع والتطوير..فهم للأسف موجودين وبكثرة لكن أين مكانهم؟؟وأين الصلاحيات التي يجب أن تعطى لهم لكي يرتقوا وينهضوا ببلادهم؟؟ أين أجد جوابا لهذا السؤال؟ لا أعلم..

    مع العلم أني أوافق جدا على “استلاف” مبدعين ومتفوقين من بلدان أخرى عربية وغير عربية لكن في تخصصات محدودة..في تخصصات لازلنا نحبوا لكي نصل إلى فهمها..ويجب أن نكرم هؤلاء في بلادنا لكي يمنحونا أقصى ماعندهم لخدمتنا..لكن نحن أمة مساواة وأمة وسط..فأين المساواة وأين الوسط في ذلك؟

    أعتبر ماكتبته مكملا لما ذكرتيه أختي مرام وأجد في مقالاتك دائما كثيرا من الحلول المطروحة,وأحسبك فعلا لست من النوع الذي يذكر العيوب لينتقد فقط أو ليتشمت.

    أشكرك أيتها المبدعة مرام وأرجو من الله أن يمنحك مزيدا من النور والبصيرة والعلم وأن تخرجي كل مالديك وتشاركينا ونشاركك فيه..فإن اتفقنا كان بها , وإن اختلفنا فالإختلاف رحمة.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر