شجاعة أم تهور؟

كتبهامرام ، في 30 ديسمبر 2006 الساعة: 16:57 م

 الاختلاف سنة الله في الكون، خلقنا مختلفين في كل شيء، ومتشابهين في كل شيء في الوقت ذاته. نختلف بألواننا وأشكالنا وطبائعنا وخصالنا ولغاتنا وأمورٌ كثيرة لا تحصى. وفي الوقت ذاته فنحن نتشابه في أن لنا قلوبنا نحس بها، وعقولنا نفكر بها، وفي معرفتنا بمعنى الحزن والفرح والألم والراحة والطموح والفشل. وما بين التشابه والاختلاف على صعيد أو آخر يتشكل لنا إنسان متفرد. هذا الفردانية هي أبرز الملامح التي تميز البشر عن سواهم من المخلوقات حيث يصعب إيجاد الفوارق بسهولة بين حيوان ينتمي لفصيلة ما وآخر من نفس الفصيلة، والأمر نفسه بالنسبة للنباتات.

    ومع ذلك نجد بأن بعض البشر يحاولون جاهدين إلغاء هذه الفوارق فيما بينهم، فيصرون على أن يشكلوا المرء ليصير واحداً منهم..نسخة من ملايين النسخ المتكررة، والويل لمن حاول أن يكسر الطوق، ويشذ عن القطيع! فهنا يبدأ هؤلاء في شحذ أسلحتهم لاعادته إليهم، سواء بالرفق أو القوة، بالوسائل المشروعة وغير المشروعة.

    ومع أن التاريخ أثبت لنا أن كل الأنبياء أو القادة والعظماء والعلماء والفنانين والمبدعين كانوا ولا يزالون من أولئك الذين تحرروا بشكل أو بآخر من العقل الجمعي، وشذوا عن القاعدة بشكل كبير، والبشرية مدينة لهؤلاء النساء والرجال الذين " تمردوا" على الواقع، بكل التقدم والحضارة والانجازات، إلا أن معركة إرجاع الشاة الضالة إلى القطيع لا تزال مستمرة.

    وتختلف حدة مقاومة التفرد والتميز الإنساني من شعب لآخر ومن حضارة لأخرى، ولأسباب عدة وخلال أوقات مختلفة من التاريخ البشري. وثقافتنا العربية في الوقت الراهن للأسف تميل إلى التقليد أكثر من الابتكار، بعكس ما كان الحال عليه في زمان عزها. ولذلك نجد بأن الفرد المتميز يعاني وبشدة في عالمنا العربي، سواء كان طفلاً أو امرأة أو شاباً أو حتى رجلاً بالغاً.  

    ترى ما هو الثمن الذي يدفعه المرء حين يقرر أن يخالف الآخرين فيما يقولونه، أو يعتقدونه أو يعملون به؟ وهل هذا الثمن يستحق أن يُدفع حقاً؟ هل عوائد الاستثمار تفوق رأس المال؟ ثم هل مخالفة الآخرين بشكل مطلق، أو لمجرد الاختلاف أو لتحدي الخطوط الحمراء، يُعد شجاعة وبطولة يستحق المرء التصفيق عليها؟ أم حماقة يمكن أن تكلفه حياته في بعض الأحيان؟

    بشكل العام يمكن القول بأن الاختلاف يكون محموداً إذا لم يكن مقصوداً لذاته، بمعنى وجود هدف أو منفعة ترجى من وراءه، وأن يكون صادراً عن إيمان وقناعة، وأن لا يقصد به ابتداء الاساءة للآخرين ومعتقداتهم.

     فلنعمل إذن لأن نكون متميزين، خاصة ونحن نقبل على عصر لا مكان فيه إلا لأولئك القادرين على أن يشعوا وسط الجموع، لكن لتكن قلوبنا صادقة، ونياتنا سليمة، وأهدافنا واضحة، وبعدها فليغضب من شاء، فهؤلاء سيدركون عاجلاً أو آجلاً بأنهم وأمثالهم في طريقهم للإنقراض.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات قصيرة- القافلة الأسبوعية، أرامكو | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

12 تعليق على “شجاعة أم تهور؟”

  1. من مصلحة المجتمع ككيان توفيقي أن يلملم أبناءه ضمنبوتقةنسيج موحد… وذلك لأسباب تعايشيةمحضة… بينما يمتاز البعض بخصائص تقودهم … إلى الخروج من هذه البوتقة والمضي نحو الخصوصية… ويوفقوا إليه إن امتلكوا الأدوات اللازمة والتي تمكن (آخرين) من اللحاق بهم (فيما بعد)

    بكل الأحوال صدقت فلن يستطيع الكجتمع إذابة أبنائه ضمن بوتقته… غير أنه أيضا ليس من السهولة تشريع فكر الذات بمعزل عن السياق الثقافي الذي يعيش ذلك الذات فيه…إلا من خلال الانفصال(الذهني أو المكاني ) لذلك الذات عن الإطار الاجتماعي.

  2. هناك رأي فلسفي يقول

    كل ماعدا الأنا يسعى إلى هدمها

    كيف تقرأين هذه العبارة في فضاءات هذه التدوينة

  3. مقال جميل :)


    احد الاشخاص اصبح علمانيا بين اقربائه, لان له رأي خاص فيه…!

    وأعرف آخر تراجع عن أرائه, بسبب اقربائه

    وأعرف آخر لم يتكلم بأرائه, لخوفه من المجتمع …!



    التفرد والتميز جميل … لكن يحتاج للشجاعة وللقناعة في صحة ما نؤمن به



    احب ان اخبر نفسي دائما, ان الشجرة المثمرة, وحدها, تقذف بالحجر



    تحية, وشكرا على مقالك الجميل

  4. الأخ مروان أبو صلاح..

    تعليق جميل..أتفق معك في ما ذكرته وخاصة فيما يتعلق بالانفصال الذهني والعقلي!

    تحياتي

  5. الأخ المفكر

    أهلاًَ بك من جديد

    العبارة فلسفية فعلاً..لدرجة تجعلها صعبة الفهم :)

    ولكن كان يقصد بالأنا التفرد فهذا يعني أن هذه التدوينة متوافقه معها

    النسق العام يقام الخاص والعكس صحيح

    تحياتي

  6. الأخ نادر العتيبي

    مرحباً..

    ما ذكرته صحيح جداً للأسف..وهو بالنسبة للمرأة أسوء

    فالرجل أصبح علمانياً..أما المرأة فستقذف في شرفها

    أرخص واحقر التهم

    فقط لأنها خالفت رأي الجماعة!

    ومع ذلك فانا شخصياً مستعدة أن أحتسب سمعتي عندالله ولا أن أتنازل عن ما اؤمن به

    ما لم يثبت لي العكس

    تحياتي

  7. اليوم فقط اكتشفت اين تنثر مرام عطرها .. اليوم وجدت المدونة وساكون دائم التواجد ان شاء الله

    دكتورة مرام

    انا من الناس الذين لا يحبذون السير جنب الحيط .. وانما وسط الطريق وامام الناس لذا فانا افخر باني مختلف عن القطيع ولا انتظر ان يوجهني الراعي

    افخر بان يكون لي رأي وشخصيه مستقلين وان اخطأت .. على الاقل سيكون خطأي انا وليس خطأ الراعي وانا من يتحمل التبعات

    صحيح ان الامر اسهل بالنسبة لي لاني ذكر في مجتمع ذكوري ولكني اشجع زوجتي وبناتي على الاستقلاليه وتكوين الشخصية.

  8. الأخ زهير..

    أهلاً بك..وشكراً لكلماتك اللطيفة..

    تعجبني شعادتك..وحبك لأسرتك..

    واصل والله يرعاك

  9. أختي مرام

    ليس الخوف على من يمتلك القوة ليشذ عن الجماعة بإبداع وتميز

    ولكن الخوف على من يمتلك العقل النير والفكر المبدع..لكنه يخاف من المجتمع ويخاف أن يقال عليه شاذا عنهم

    الخوف كل الخوف بأن نخسر تلك العقول والسبب المجتمع!!!

    أشكرك على مقالك الأكثر من رائع,, كنت أحلم يوما بأن كاتبا أومفكرا أو مبدعا يضع هذه النقطة في عين الإعتبار

  10. الاختلاف سنة كونية …..

    لو أراد الله سبحانه أن يجعلنا نسخ مكررة من بعض لكان له ذلك

    مضحك أمر بعض المتحمسين لإيديولوجيا معينة عندما يريدون جعل العالم نسخة منهم!!

    أو عندما يتشدق البعض بخصوصية فكرية جامدة

    إذا كان عالم الأفكار لا يضبطه حتى الزمن … كيف يتوقع بشري فاني أن يضع عليه أبواب وأقفال …!!

    أليس الله بأحكم الحاكمين

  11. الأخت توت..

    مداخلة قيمة..

    أتفق معكِ..

    كم ضيعنا من مواهبنا الشخصية بسبب الخوف.. وكم فقدنا من متميزين بسبب ذلك!

    إنها الشجاعة والإرادة الحرة التي نعاني من فقدانهما في عالمنا..

    تحياتي لكِ

  12. الأخ عبدالرجمن المحيا..

    مرحباً..وصدقت بالفعل..مداخلة مميزة اخرى..

    هناك في بلادنا خاصة من يريد ان يتدخل حتى في أحلامك حين تخلد للراحة..حتى في مناجاتك مع نفسك..

    جميل ان ندافع عن القيم والمباديء…لكن ليس عن طريق القهر.. وتجريم الآخر!



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر