ترويج للسحر..أم دعوة للتعايش؟

كتبهامرام ، في 30 ديسمبر 2006 الساعة: 16:54 م

حينما ظهرت روايات (هاري بوتر) الشهيرة، للكاتبه كي جي رولنغ، واكتسحت الأسواق لم أهرع لالتقط نسخة منها، بل لم افكر بذلك أصلاً، فما الذي سيغري طالبة جامعية بأن تقرأ قصة خيالة للأطفال؟

    ولذا حين وجدتُ _بعد سنوات_نسخة من آخر كتاب في السلسلة على مكتب زميلتي في مجموعة البحث في الجامعة، جلستُ أشاغبها قائلة بأنه من المعيب أن تضيّع طالبة دكتوارة وقتها في قراءة كتاب بهذا الحجم هو عبارة عن رواية خرافية للأطفال! فقالت لي: "عن ماذا تهذين؟ من قال بأن حكاية هاري بوتر هي للأطفال؟ هل قرأتها؟" أجبتها بالنفي، وبأنني لا أفكر بذلك أيضاً، فجائني عرضها بأن تعيرني أصغر هذه الكتب حجماً وهو الكتاب الأول من سلسلة مغامرات والذي كان اسمه (هاري بوتر  و حجر الفلاسفة). وافقت حياء وتقديراً لكرم زميلتي، وأنا أقول لنفسي بأنني سأحتفظ به لفترة ثم اعيدة متعللة بأن الوقت لم يسعفني لأقرأه، ولم أرد أن أبقيه معي لفترة أطول. ولكن ما حصل هو العكس تماماً..فما أن بدأت بقراءة الكتاب حتى ضعت في عالمه السحري، وصرت أقلب الصفحات بشغف طفولي، وأنا أتلهف لمعرفة النهاية! وقليلة هي الروايات والقصص التي تصنع فينا هذا الاحساس، وتعيد لنا دهشة الطفولة هذه الأيام.

     لكن في أماكن مختلفة من العالم (ومنها المكسيك)، حيث لا تزال للمؤسسات الدينية سلطتها ونفوذها في امريكا الجنوبية مقارنة بأوربا، فإن هناك من ثار وأرغى وازبد وطالب برأس رولنج ورؤوس أبطالها! ومنعت بعض الكنائس أتباعها من إقتناء هذه الروايات الفاسدة التي تُشجع على السحر والهرطقة، وتجعل من السحرة والمشعوذين أبطالاً، وهو ما يتنافى مع الدين والأخلاق.

    فرجال الدين لم يروا في هاري بوتر إلا ساحر صغير شرير يغوي الصغار عن طريق الخيال ودس السم في العسل. أما أنا فقرائتي لهاري بوتر جعلتني أكتشف بعداً آخر لهذه الروايات المدهشة، والتي تكشفت عن عبقرية هذه الكاتبة فذه فعلاً. فمن يقرأ روايات رولنغ بعمق سيكتشف بأنها حاولت أن توصل رسالة غاية في الأهمية لنا عامة وللأجيال المقبلة خاصة.

     رولنغ ابنة المجتمع البريطاني الذي طالما باهى بتعدد ثقافاته وقبوله للاختلاف على صعيد الدولة والمؤسسات، ولكنه في الوقت نفسه لم يتخلص من العنصرية كلياً، أرادت أن ترسل رسالة عن التسامح وقبول الآخر المختلف. فهاري الذي يصل مدرسة السحرة قادماً من عالمنا الممل، يبدو غريباً وضائعاً. فهل لا يعرف أنواع الحلويات المختلفة، ولا يفقه شيئاً في قوانين اللعبة الرياضية الأولى لدى الشباب هناك، ويبدو كل شيء يقوم به غريباً ..مضحكاً وشاذاً. لكن هذا الهاري هو من سنكتشف بعد قليل أنه طالب متميز وساحر موهوب يتمتع بقدرات هائلة سرعان ما سيكتشفها الجميع، وأولهم هؤلاء الذين سخروا منها واحتقروه.

    فرولنغ هنا ربما أرادت ان تقول للطلاب البريطانيين شيئاً عن هؤلاء الطلاب الجدد الذين يفدون عليهم من أصقاع الأرض كل يوم، كلاجئين أو مهاجرين، وفي نفس الوقت توجه رسالة لهؤلاء الطلاب الخائفين الخجلين أيضاً. فقد أرادتُ أن تقول لهم أنه ليس عيباً أن تكون جاهلاً بأطعمة أو ألعاب مكان جديد تفد عليه لأول مرة، وليس مشيناً أن يكون أحدهم مختلفاً عن الآخرين،  فلكل منا ميزاته وقدراته، التي متى ما ُمنحنا الفرصة فإنها لابد ستُتكشف ذات يوم.

    هكذا إذن تأتي قصص (بوتر) بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لتدعو للتعايش وقبول الآخر من أجل عالم سحري جميل، يتم تسخير المعرفة والطاقات فيه لخدمة البشرية جمعاء.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات قصيرة- القافلة الأسبوعية، أرامكو | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “ترويج للسحر..أم دعوة للتعايش؟”

  1. أسعد الله حياتك وعشت فيها بأكبر الأوهام..وحشرك مع من تحبين من الكتبة الرائعين في عالم القصة والسحر والخيال اللامحدود..وأولياكم بعضا لبعض..والله ولي الذين آمنوا .

  2. لصاحب التعليق السابق, الله يعطيك على قد نيتك, ويشفيك مما ابتلاك





    رائعة كالعادة :)


    امممممممممم

    لم أقرأ الرواية, وسأكتفي بالفيلم :)


    فعلا لايهم ظاهر الشيء, لكن المهم هو جوهره والغاية التي من اجلها وضع :)
    ليت بعض الفئات لدينا, تتعلم كيف تتقبل الآخر

    لكن للأسف, فكما لدى الدول الغربية ظاهرة عدم تقبل الآخر

    فإن لدينا ظاهرة, (لابد من القضاء على الآخر)

    كان الله في العون



    تحية

  3. الأخ نادر العتيبي

    أعجبتني عبارتك اللطيفة ( لا بد من القضاء على الآخر!)

    مع ملاحظة أن هذا الآخر هو غالباً..أخي وأختي وابن عمي وجاري

    وليس العدو الحقيقي!

  4. ما فيش فايدة

  5. السلام عليكم

    جزاك الله خيرا مقالة رائعة تحمل فكرا واسعا مبدعا

    اختي مرام كم نحن بحاجة الى ان نرى ماحولنا بعين المسؤولية بعين الرحمة ان ندرك اننا خلفاء لله في ارضه ومن هذا المنطلق نسعى للفائدة اينما كانت

    نعم اتفق معك ومع طرحك المبدع فيلم هاري بوتر استطيع ان ارى بمفهومي انه دعوة للتعايش قصته رائعة العمل ناجح كل جزء له مغزى وله فائدة نستطيع ان نحولها لشئ ايجابي بحياتنا

    فليست العبرة بما نرى بل كيف نرى مااحوجنا لفكر يساعدنا على التعايش

    استمتعت بالمقال وسبحان الله دخلته بالصدفة

    كتبت بمحرك البحث (دعوة للتعايش)

    وكان من نتيجة البحث مقالك الذي لفت انتباهي مقالك

    انا واحدة من شباب صناع الحياة ان شاء الله

    وكان اخر برنامج قام بتحضيره الاستاذ عمرو خالد يحمل اسم (دعوة للتعايش)

    وتدور فكرة البرنامج حول تأكيد أهمية التعايش مع الآخر وقبول الآخر مع الاحتفاظ بالهوية ، ويهدف البرنامج إلي حقن الدماء في العراق ولبنان ودارفور واحترام الاسلام في الغرب وهو يساعد المسلمين على الإندامج الإيجابي في الغرب وعدم إنغلاقهم على انفسهم ..

    و البرنامج الجديد سيخاطب كل المجتمع بداية من تعايش الرجل مع زوجته مرورا بتعايش الشباب مع الآباء مرورا بتعايش المسلمين في العراق ودارفور ولبنان ..مرورا بتعايش المسلمين في الغرب لكسب احترام الاسلام ..

    وسيتم عرض البرنامج ان شاء الله في منتصف فبراير على اربع قنوات عالمية باربع لغات

    الانجليزية والفرنسية والالمانية واظن الرابعة الاسبانية

    وسيوضع الاعلان على موقع الاستاذ عمرو ان شاء الله http://www.amrkhaled.net

    اعتقد اننا بحاجة لشخص مثلك مرام فوجودك وفكرك يثري بالتاكيد طريق نهضتنا

    سعدت بالتعرف على مدونتك الشخصية التي لابد ان تكون لي مزارا في المستقبل لاينقطع ان شاء الله

    حفظك الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر