هو لك..لا تعره لغيرك!

كتبهامرام ، في 30 ديسمبر 2006 الساعة: 16:51 م

    لا شك أن بذل أشيائنا الخاصة، بل حتى وقتنا وطاقاتنا للآخرين، وإعارتهم ما يحتاجون، لهو من كريم الخصال ومن جميل الطبائع،التي حثت عليها الأديان، وباركتها القوانين والشرائع. إلا أن هناك أشياء تعد إعارتها جريمة للمرء في حق نفسه قبل كل شيء. فحين نعير عقولنا للآخرين، نكون قد ارتكبنا خطيئة عظمى ومعصية كبرى في شرعنا العظيم. فهذا الدين الذي جعل التفكر في الملكوت واحدة من أعظم العبادات، والذي نهى عن سوء الظن، وعن أخذ الكلام من أفواه الجهال والفساق دون تثبت، لا يمكن أن يبارك نظام إعارة العقول هذا. بل إنه من الجحود ألا يستعمل هذا العضو العظيم (العقل) إلى أقصى طاقاته، وأن يدخل " اختيارياً" في غيبوبة طويلة. ومع ذلك نجد بأن الكثيرين ممن وهبهم الله هذه النعمة، وممن يعتقدون أنهم يعرفون أمور دينهم، لا يتوانون عن إتباع هذه الطريقة. وكم حصلت من مشكلات، وكم تعرض أناس للظلم في أعراضهم، أو أرزاقهم نتيجة لأن شخصاً ما.. في مكان ما..قرر للحظة أن يعير عقله لشخص آخر!

    ولا يزال يدهشني  مدى انتشار هذه الظاهرة لدينا، حتى بين حملة أعلى الشهادات، وبين من واتتهم الفرصة ليطوفوا حول العالم، مع ما يترتب على هذا من توسيع مدارك المرء، وفتح الآفاق أمامه. فيكفي أن يشهد فلان من الناس ممن له وجاهة دينية أو عمرية أو اجتماعية أو مادية بأن فلان به عيب ما، فإن آلافاً مؤلفة ستأخذ بهذا الرأي دون أن تكلف نفسها عناء التفكير أو حتى التساؤل عما إذا كان هذا الأمر متوافقاً مع المنطق واحتمالية أن يكون ثمة لبس أو خطأ.

    شخصياً ..كرهتُ هذا الأسلوب، لدرجة أنني صرت أعتقد مباشرة العكس فيما أسمعه من نقد سلبي، أو إطراء مبالغ للأشخاص أو الأماكن أو الكتب أو الأفكار. وإذا جئنا إلى مجال الكتب والأدب خاصة، فإنني مدينة للدعاية السلبية بأمتع الأوقات التي قضيتها مع خير جليس! فلو لم أسمع نقداً سلبياً مبالغاً ل (شقة الحرية) للدكتور غازي القصيبي وأنا بعدُ مراهقة، لما قرأتها ولما تعرفت على روائعه الأخرى حتى بات كاتبي المفضل. والأمر نفسه ينطبق على روايات الكاتبة الجزائرية (أحلام مستغانمي)، والأديب ( عبدالرحمن منيف)، والشاعر الكبير (نزار قباني) الذي قد نخالفه في أكثر من موضوع، ولا نوافقه في أكثر من قصيده، لكن سيكون من الصعب جداً أن نقول عنه بأنه ليس شاعراً.

    وللتربية ولا شك دور في تعويد الطفل على احترام عقله والإنصات له، وعدم بيعه للآخرين، عن طريق مراجعته في الاخبار التي يسمعها وينقله، وحثه على التفكير فيما إذا كانت خطأ أو صواباً. ومع مرور الأيام سيصبح هذا الصغير قادراً على التمييز أكثر بكثير من بعض الكبار أحياناً. والأمة التي يفكر صغارها هي أمة جديرة بالتقدم، لذلك فلتكن وصيتنا للصغار وهم ينطلقون لمدارسهم: ( عقلك لك وحدك..فلا تعره لغيرك!).

* في النسخة المطبوعة تم تغيير الأجزاء التي تحتها خط.. بما في ذلك العنوان بشكل أو بآخر.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات قصيرة- القافلة الأسبوعية، أرامكو | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “هو لك..لا تعره لغيرك!”

  1. كلامك جميل كالعادة :)


    انا شخصيا كنت اكره غازي القصيبي ونزار قباني بشكل لايصدق .. لماذا..؟

    لان فئة من المجتمع كانت تروج عنهم الشائعات

    وبالصدفة, قرأت قصة (حكاية الحب) لغازي القصيبي

    ومن بعدها, اصبح هو كاتبي المفضل

    واصبح بعدها نزار, شاعري المفضل, بل هو شاعري الأوحد :)
    ..

    اصبحت معجبا بنقد عبدالله الغذامي, ورؤيته للأمور

    واصبحت احضر محاضراته وندواته

    اصبحت احبه, وهو لايدري



    المشكلة لدينا, في التيار الديني, الذي يرى نفسه صح, ومن يخالفه خطأ



    اذكر ان احد الاشخاص كان يمدح أحد العلماء المشهورين في السعودية ويروج له

    وفي احد المرات, سألته, ما رأيك في من يقول بأن الأرض مسطحة ..؟

    فقال, هو جاهل وغبي

    فقلت له, إن عالمك المشهور, يقول بأن الأرض مسطحة :)


    الأغلبية في المجتمع السعودي, لا تحب التفكير

    تحب أن تأخذ ما يقوله إما عامة الناس, او التيار الديني





    أعظم مثل سمعته

    (قبل ان تتعلم الكتابة, تعلم كيف تفكر)



    تحية

  2. فعلا

    كثر ممن لايريدون تكليف انفسهم عناء التفكير في صحة او كذب خبر ما

    وهذا يحصل منذ ان نعي هذا العالم

    يقال لنا كذا وكذا ولاتترك لنا الحرية للتفكيرثم بعد سنوات من هذا الاسلوب نقول والله التفكير متعب وخلينا زي مااحنا

    شيوخ تفتي لنا ومدرسين يلقنونا وجيران يحدثونا وايميلات تنصح لنا الخ الخ

    حدث امامي موقف وانا في دولة غربية مما دعاني الى التفكير في هذا الموضوع

    امامي امراة ومعها طفلتين يقفان في الطابور للدفع

    الفتاة الكبرى تعبت من الوقوف فجلست على احد الكراسي الموجودة بالمحل ونظرت اليها الثانية تشكوها لامها لانها تريد ان تجلس مكانها

    فطلبت الام من الاولى ان تجعل لاختها مكانا بجانبها ففعلت

    ولكن هذا لم يعجب الصغيرة فقالت لامها اطلبي منها ان تقوم واجلس مكانها

    فقالت لها الام: هي جعلت لك مكانا بجانبها وامامك الان خيارين اما ان تجلسي بجانبها واما ان تقفي على قدميك الاختيار لك وانت حرة فيه!!

    استغربت من طريقة واسلوب كلام الام لهذه الصغيرة فهي عاملتها على انها راشدة ولها خيارات تتخذها وتتحمل نتائجها كنت ارى علامات التفكير المنطقي على وجه الطفلة قبل ان تتخذ قرارها

    بينما تخيلت الموقف في جدة مثلا

    ستقول الام للبنت قومي لاختك صغيرة خليها تجلس انتي الكبيرة معليش اتحمليها

    او اقعدي احسلك لااضربكم الاتنين

    او ماعادني مخرجتكم معايا حسبي الله عليكم!

    فعلا لاحوار ولا اخذ باراء ولا احترام للذات والفرد

    فلا عجب ان يكبر هؤلاء ويتوقعوا من الاخرين ان يقوموا مقام عقولهم والا يستعملوها

    شكرا لك

  3. الأخ نادر العتيبي

    الله يعطيك العافية :) ممتنة أنا..

    وليس غازي ونزار وحدهما..وإنما أحلام مستغانمي ورائعتها..ذاكرة الجسد

    والكثير الكثير..

    بخصوص الكتابة..فأصلاً أنت يجب أن تقرأ أولاً..(لخمس أو عشر سنوات) ثم تفكر

    وبعدها تكتب..

    ومن دون أن تفعل ذلك..فلا أعتقد بأنه سيكون عندك ما تقدمه للناس..

    لك تحياتي

  4. بسم الله الرحمن الرحيم “إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على مافعلتم نادمين”. صدق الله العظيم

    لو فقط أخدنا بكلام الله عز وجل.. أكيد لن نعير أمخاخنا لأحد مهما كان .. للأسف أتفق معك أختي مرام فكثير من البشر ممن ينتمون إلى درجات علمية راقية وداروا العالم والله أعطاهم الكثير ليشكروه عليه..لكنهم نسوا أنه أعطاهم عقل ليفكروا به ولو للحظات أو حتى لا نظلمهم خانهم التفكير والرجوع للمصدر, مع أنني لا أعتبر ذلك عذرا..فالكلام الجارح والمبني على أسس غير الصحة غالبا مايكون جرحه أبلغ من أي عقاب مادي!!

    بالنسبة لرد الأخت ظلال ..أتفق معك بأن ليس هناك حوار ولا نقاش ولا أخد بالآراء لكن في رأيي, أكره مبدأ التعميم وهو مبدأ بعيد كل البعد عن الحكمة والعقل.. وإن فعلا حصل ما قلتيه في مدينة جده (مع أنه كان فكرة من وحي الخيال) فهناك أيضا العكس .. ومدينة جده على وجه التحديد لا تُحاسب على أن فيها ممن هم جهلاء في تربية أولادهم لأنها مدينة مثلها مثل باقي المدن تضم الكثير من درجات البشر وفئاتهم المختلفة.. وواجبنا كمتعلمين تنوير مثل هؤلاء الأشخاص , لا السخرية منهم ..فقط لأنهم لم يحالفهم الحظ ليتعلموا ويتثقفوا أو يتغربوا في بلدان العالم ليروا مارأيتيه

    تحياتي لكم جميعا

  5. اعارة المخ والعقل … يحملها الكثير وان لم يورثوها الى الابناء من بعدهم :(

    وهناك الكثير وليس الكل لا يريد ان يفقه جديدا ولا يتعلم ماذا يحدث .. يتمثل بالقول الراجح (مع القوم ياشقراء)..!!

    الأشد والانكى حينما يكون من يعير عقله صاحب ذا شهاده عاليه ومكان مرموق :(

    تعلمنا ثقافه خذ .. وطبق .. يويلك لاتجرب

    من جد انا كنت دوما اراني متمرده على كل شيء ..
    اكره الحكم بشيء قبل ان اعرف كنه التزم الصمت لعلني ارتوي وبعدها يمكنني الحكم

    كثيرون ممن رايتهم يرمون ويسفهون .. وحياديه هي الاسلم حتى ارى مابعدها ؟؟

    لكن كونك تحمل مبدأ اريد ان اعرف لمه وكيف وسبب ؟؟
    فانت من المغضوب عليهم :(
    خصوصا نجد



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر